من يتابع خطابات بعض مسؤولي وزارة التربية، يخيَّل إليه أحياناً أننا أمام وزارة افتراضية، لا علاقة لها بما يجري في المدارس والمؤسسات التعليمية. شعارات كبيرة، ونوايا معلنة، لكن حين نقترب من الواقع، نصطدم بتناقضات فجة تكشف عمق الفجوة بين القول والفعل.
آخر هذه التناقضات ما صرّح به أحد المديرين التابعين لمدير الموارد البشرية، وهو بالمناسبة كان عقدوياً في وزارة أخرى، حين قال إن «رؤساء الأقسام يريدون العودة إلى الميدان». تصريح يبدو في ظاهره متواضعاً وقريباً من نبض الواقع، لكنه في جوهره لا يعدو أن يكون خطاباً طوباوياً يفتقر إلى الحد الأدنى من الصدق السياسي والإداري.
أي ميدان هذا الذي يتحدثون عنه؟ وهل العودة إلى الميدان خيارٌ حرّ ونابع من قناعة، أم مجرد خطاب يُستعمل لتبرير انسداد آفاق التسيير داخل الوزارة؟ الأكثر إثارة للسخرية أن هذا الكلام يُقال في وقت تُغلق فيه أبواب التبادل أمام أهل الميدان الحقيقيين: الأساتذة، والمديرين، والحراس العامين، وكل من خبر القسم، والسبورة، والاكتظاظ، وغياب الوسائل.
إذا كانت الوزارة جادة فعلاً في إعادة الاعتبار للميدان، فالحل بسيط وواضح: افتحوا التبادل بين أهل الميدان ورؤساء المصالح والأقسام. دعوا الكفاءة والخبرة الميدانية تصعد إلى مواقع القرار، بدل أن يبقى القرار حبيس مكاتب لم تسمع منذ سنوات ضجيج التلاميذ ولا أنين الأقسام الباردة.
لكن ما يحدث هو العكس تماماً. يُقدَّم الميدان في الخطاب الرسمي كقيمة نبيلة، بينما يُعامل في الممارسة كمنفى إداري أو عقوبة غير معلنة. يُمجَّد في الكلمات، ويُهمل في السياسات. وهنا تكمن الطوباوية الحقيقية: الاعتقاد بأن إصلاح التعليم ممكن عبر خطابات إنشائية، دون إصلاح منظومة التعيين، والتبادل، والترقية، وربط المسؤولية بالخبرة الفعلية لا بالمسارات الالتفافية.
والنتيجة معروفة سلفاً. إن فُتح التبادل الحقيقي والعادل، فلن يبقى في الميدان إلا من اختاره عن قناعة ورسالة، لا من فُرض عليه فرضاً. أما في ظل الوضع الحالي، فكما يقول أهل الميدان بسخرية مرة: لن يبقى لكم في الميدان إلا “احميدان أو انكذي”. عبارة شعبية، لكنها تختصر واقعاً مريراً، وتكشف فشل الخطاب الرسمي في ملامسة الحقيقة.
وزارة التربية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الطوباوية، بل إلى شجاعة الاعتراف بالتناقضات، وإلى إرادة سياسية حقيقية تنطلق من الميدان، لا تتحدث عنه من علٍ
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل