حين تُلعب الوزارة بالنار تلعب بحقوق و برواتب المعلّمين

في الوقت الذي تتعالى فيه الخطابات الرسمية عن “أهمية التعليم” و“مكانة المعلّم”، يعيش الأستاذ على أرض الواقع مفارقة قاسية، عنوانها الإهمال والتجاهل المتعمّد. فلا سعي حقيقي من المسؤولين، ولا حتى من الجهات الوصية، لرفع راتب الأستاذ أو تحسين أوضاعه المعيشية، وكأن هذا الملف أُخرج عمداً من دائرة الأولويات. الأخطر من ذلك، أن هذا التجاهل لم يعد حيادياً، بل تحوّل إلى لعب بالنار، ستكون نتائجه وخيمة على المدرسة والمجتمع معاً.
رواتب كثير من المسؤولين اليوم تتخطى حاجز المليون، وتترافق مع امتيازات وتعويضات مختلفة، بينما يُترك الأستاذ يواجه واقعه بأجر لا يكاد يسدّ أساسيات الحياة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن المعونات الأجنبية التي كان يُفترض أن تخفف من معاناة المدرّس، “أُكلت” أو تاهت في دهاليز الإدارة، قبل أن تصل إلى راحته أو تلامس احتياجاته الفعلية. وهكذا، وجد الأستاذ نفسه وحيداً في مواجهة أزمة خانقة، بلا دعم مادي حقيقي ولا حماية اجتماعية.
هذا الواقع المعيشي القاسي ولّد ضغطاً نفسياً هائلاً على المدرّس. فالأستاذ، الذي يُطلب منه أن يكون مربّياً، موجهاً، وصاحب رسالة، يعود إلى بيته مثقلاً بفواتير السكن، وأعباء المعيشة، وتكاليف الصحة، وسائر متطلبات الحياة التي لا ترحم. كيف يمكن لمن يطارده القلق من كل اتجاه أن يحتفظ بهدوئه النفسي وتوازنه الداخلي داخل القسم؟
تزداد الصورة تعقيداً حين نضع الأستاذ في مواجهة يومية مع المراهقين، وهم فئة عمرية حسّاسة بطبيعتها، تحتاج إلى صبر، واحتواء، واستقرار نفسي من الطرف المقابل. لكن حين يكون المربّي نفسه “معرّكاً” بظروف الحياة الصعبة، منهكاً ذهنياً ونفسياً، فإن أي احتكاك بسيط قد يتحوّل إلى شرارة. هنا، تتحوّل راحة الأستاذ المهدورة إلى أداة بطش، لا تخطئها العين، ليس عن سوء نية بالضرورة، بل كنتيجة طبيعية لتراكم القهر والضغط والإحباط.
إن ما يحدث اليوم ليس أزمة رواتب فقط، بل أزمة رؤية ومسؤولية. فإهمال وضع المعلّم يعني ضرب أساس العملية التربوية، وتهديد توازن المدرسة، وزرع بذور العنف والتوتر داخل الأقسام. اللعب بالنار هنا لا يكون بتصريحات عابرة، بل بتجاهل إنسان يُفترض أنه يصنع أجيال المستقبل.
إنصاف الأستاذ لم يعد ترفاً ولا مطلباً فئوياً، بل ضرورة وطنية. فإما أن يُعاد الاعتبار لكرامته المادية والنفسية، وإما أن تستمر هذه الدوامة الخطيرة، حيث يُدفع المدرّس إلى حافة الانهيار، وتتحوّل المدرسة من فضاء تربية وبناء، إلى ساحة توتر وبطش، يدفع ثمنها الجميع.
بقلم الشيخ ماء العينين

شاهد أيضاً

أبرز الصفقات التي أسفرت عنها زيارة الوزير الأول للسنغال

اختتم الوزير الأول الموريتاني المختار ولد اجاي، اليوم، زيارة عمل رسمية إلى السنغال، ترأس خلالها …