ذلك الطقس الرمضاني القديم الذي ألفناه في ليالي رمضان كان أكثر من مجرد وسيلة لإيقاظ الناس للسحور؛ كان نبضًا خفيًا للحياة في الحيّ، وصوتًا يربط القلوب قبل البيوت. وكثيرًا ما كانت جماعات من الشباب تتطوع لأداء هذا الدور؛ يجوبون الأزقة في سكون الليل، يرفعون أصواتهم ويطرقون الأبواب مردّدين: «سحّروا يا عباد الله… إن في السحور بركة».
كان صدى أصواتهم ينساب بين البيوت كخيط من الألفة، يوقظ النوافذ قبل أن يوقظ الناس، ويشعر الحيّ كله أن الليل لا يزال حيًّا بأهله. لم يكن الأمر مجرد تنبيه للطعام قبل الفجر، بل طقسًا صغيرًا لكنه مليء بالروح؛ لحظة يختلط فيها الصمت مع الحياة، والهدوء مع الانتظار، والنجوم مع نداءات البشر.
واليوم، غاب هذا المشهد عن الأزقة، لكنه لم يغب عن الذاكرة؛ فما زال صدى تلك النداءات يتردد في خيالنا كلما اقترب وقت السحر، يذكّرنا بزمنٍ كانت فيه التفاصيل الصغيرة تمنح الليل دفاه، والصائم نشاطه، وتجعل للمدينة قلبًا ينبض مع ليالي رمضان.
ابراهيم ببكر
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل