يقصد بول ريكور بمفهوم «فلاسفة الارتياب» أو «فلاسفة الشك/الاشتباه» ثلاثة مفكرين كبار هم: كارل ماركس، فريدريك نيتشه، وسيغموند فرويد. وقد عرض ريكور هذا التصنيف بصورة بارزة في كتابه «صراع التأويلات» وخصوصًا في كتابه «فرويد والفلسفة: بحث في التأويل».
من هم فلاسفة الارتياب؟
يسميهم ريكور «أساتذة الارتياب» (Maîtres du soupçon) لأنهم لم يكتفوا بتفسير ما يقوله الإنسان عن نفسه أو ما يظهر في الثقافة والمجتمع، بل حاولوا كشف المعنى الخفي الكامن وراء المعنى الظاهر.
الفيلسوف
موضع الارتياب
ما الذي يوجد خلف الظاهر؟
ماركس
الوعي والأفكار
المصالح والعلاقات الاقتصادية والطبقية
نيتشه
القيم والأخلاق
إرادة القوة والدوافع والصراعات
فرويد
الوعي والسلوك
اللاوعي والرغبات المكبوتة
1. ماركس: الارتياب في الوعي
يرى ماركس أن الإنسان قد يعتقد أن أفكاره ومواقفه نابعة من وعي مستقل، بينما تكون هذه الأفكار مرتبطة في العمق بشروطه المادية والاجتماعية والاقتصادية.
فالأيديولوجيا، وفق هذا المنظور، قد تجعل علاقات اجتماعية وتاريخية معينة تبدو وكأنها حقائق طبيعية أو أبدية.
إذن يسأل ماركس:
ما المصالح المادية والاجتماعية التي تقف وراء هذا الوعي؟
فالظاهر هو الفكرة، أما الباطن فهو البنية الاقتصادية والاجتماعية.
2. نيتشه: الارتياب في القيم
أما نيتشه فيمارس الارتياب تجاه الأخلاق والقيم والمثل العليا.
فالإنسان قد يقول إنه يتصرف بدافع «الخير» أو «الحقيقة» أو «الفضيلة»، لكن نيتشه يبحث عن الدوافع الخفية التي أنتجت هذه القيم.
ولهذا ارتبط مشروعه بما يسمى «علم الأنساب»: البحث في أصول القيم، لا باعتبارها حقائق ثابتة، وإنما باعتبارها نتاجًا لصراعات تاريخية ونفسية وإرادات للقوة.
السؤال النيتشوي يصبح:
ما الإرادة أو القوة التي تختبئ خلف هذه القيمة؟
3. فرويد: الارتياب في الوعي
أما فرويد فيوجه ضربة إلى الاعتقاد بأن الإنسان شفاف لنفسه وأنه يعرف دوافع أفعاله.
فالإنسان قد يعتقد أنه فعل شيئًا لسبب معين، بينما يكون السبب الحقيقي موجودًا في اللاوعي: رغبة مكبوتة، صراع نفسي، تجربة طفولية، أو دافع جنسي ونفسي مستتر.
ومن هنا يصبح الحلم، وزلة اللسان، والنكتة، والعرض النفسي وغيرها، علامات تحتاج إلى تأويل.
السؤال الفرويدي هو:
ما الرغبة اللاواعية التي تختبئ خلف هذا السلوك أو الخطاب؟
ما الذي يجمع الثلاثة؟
يرى ريكور أن ماركس ونيتشه وفرويد، رغم اختلاف مشاريعهم اختلافًا جذريًا، يشتركون في أنهم هدموا الثقة الساذجة في المعنى الظاهر.
فالإنسان يقول شيئًا، لكن ينبغي أن نسأل:
ماذا يخفي هذا القول؟
ماركس: خلف الوعي توجد الأيديولوجيا والمصلحة الطبقية.
نيتشه: خلف القيم توجد إرادة القوة والصراع.
فرويد: خلف الوعي يوجد اللاوعي والرغبة المكبوتة.
ولهذا فإن ريكور لا يسميهم ببساطة «فلاسفة الشك»، بل «أساتذة الارتياب»؛ لأنهم لا يشكون في وجود الحقيقة فحسب، وإنما يشكون في أن المعنى الذي يظهر لنا مباشرة هو المعنى الحقيقي والنهائي.
ريكور: من الارتياب إلى التأويل
وهنا تكمن أهمية ريكور نفسه.
فهو لا يريد أن ينتهي التأويل إلى مجرد هدم المعنى. فالارتياب عنده مرحلة ضرورية، لكنه ليس نهاية الطريق.
يمكن تلخيص حركته التأويلية هكذا:
المعنى الظاهر → الارتياب → كشف المعنى الخفي → إعادة بناء المعنى.
ولهذا يميز ريكور بين «هرمنيوطيقا الارتياب» وبين التأويل الذي يبحث عن إمكانية جديدة للمعنى.
ومن أجمل الصيغ التي تلخص موقفه أن فلاسفة الارتياب علّمونا ألا نثق بالمعنى الظاهر، وأن نبحث عما يقف خلفه؛ لكن ريكور يضيف إلى ذلك أن مهمة التأويل ليست فقط أن «تفضح» المعنى، وإنما أيضًا أن تستعيد إمكاناته وتفتح أمام الإنسان معنى جديدًا.
إذن: ماركس، نيتشه، فرويد = تفكيك المعنى الظاهر؛ ريكور = تفكيك المعنى ثم إعادة بنائه تأويليًا.
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل