مرة أخرى، تكشف موريتانيا عن هشاشتها البنيوية؛ لا بفعل حرب قارية أعادت رسم خرائط الطاقة والغذاء، ولا بسبب اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ولا حتى نتيجة أزمة استراتيجية كإغلاق مضيق هرمز، بل بفعل عامل أقرب إلينا وأشد إيلاماً: سوء التدبير المحلي.
إنها دوامة متكررة تُعيد إنتاج نفسها؛ فمع تراجع المخزون المتاح من الوقود، انزلقت البلاد مجدداً في متوالية انقطاعات الكهرباء. وما إن خفتت أزمة العطش حتى عادت أزمة الطاقة بوجه أشد قسوة. لقد اضطرت الجهات المعنية إلى تقصيد العتمة وتوزيع الوقود على الأحياء – ولا سيما الضواحي الهشة – لساعات محدودة. وفي كل مرة، تُسارع الروايات الرسمية إلى طمأنة الشارع بأن الأمور عادت إلى نصابها، غير أن الواقع يتحدث بلغة مختلفة؛ فالأزمات الخدمية لا تُحل بالبيانات والتصريحات، بل بالاستقرار الملموس في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
من الظلام الخدمي إلى العتمة الأمنية:
إن الظلام، في بلد يعاني أصلاً من اختلالات هيكلية، ليس مجرد غياب للضوء؛ إنه بيئة خصبة لتمدد الخوف. وتزداد خطورته حين تُترك الأحياء الطرفية مكشوفة أمام الجريمة، ليتحول الأمن نفسه من حق بديهي إلى موضع استغاثة وشكوى.
وهنا يتحول السؤال الجوهري من: «لماذا انقطعت الكهرباء؟» إلى السؤال الأعمق والأهم: كيف تُدار شؤون دولة حتى يصبح نقص الوقود واضطراب تسييره قادرين على إرباك شريان الحياة في مدينة بأكملها؟
هنا مربط الفرس.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بحجم ثرواتها الكامنة، ولا بعدد المشاريع المُعلنة، بل بكفاءتها المؤسسية في تحويل الموارد إلى أمن، واستقرار، وخدمات منتظمة، وكرامة مصونة للمواطن.
ستة وستون عاماً: أسئلة الاستقلال والنجاعة المؤسسية
من المؤلم أن نظل نطرح هذه الأسئلة التأسيسية بعد ستة وستين عاماً من الاستقلال. إن العقود الستة الماضية كانت كفيلة لبناء مؤسسات تستشرف الأزمات قبل وقوعها، وتتمتع بمخزونات استراتيجية وخطط بديلة، وتدير المرافق بعقلية «دولة التخطيط» لا بمنطق «رد الفعل المرتجل». كان المفترض أن يحظى كل قطاع حيوي بهامش أمان، ولكل أزمة سيناريو بديل جاهز.
أما الاستمرار في التنقل المرتبك بين أزمة وأخرى، فذلك دليل على أن المشكلة لا تكمن في شح الوقود وحده، بل في منظومة التفكير التي تدير الأزمة.
فجوة الأولويات: التقشف المزعوم والاستهلاك المظهري :
تزداد الصورة مرارة حين نصطدم بـ المفارقة الهيكلية للسياسات العمومية: دولة تُعلن التقشف وترشيد المال العام، بينما تعيش البلاد، في الوقت نفسه، كرنفالاً سياسياً واستعراضياً لم تشهد له مثيلاً في مثل هذا الظرف. فأكثر من ألف سيارة رباعية الدفع -بحسب ما يتداول في المشهد العام- تجوب البلاد طولاً وعرضاً، شرقاً وغرباً، في حملة شاملة للولايات بمقاطعاتها ومختلف أنحاء التراب الوطني وقبل انطلاق الحوار المرتقب، من أجل الدفع بمطلب المأمورية الثالثة وإعادته إلى أجندة الحوار بعد أن كان قد استُبعد منها.
وليس المقصود هنا الدخول في جدل الموقف السياسي من المأمورية، ولا مصادرة حق أي طرف في التعبير عن رأيه؛ فذلك شأن آخر. وإنما السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة هو: ما مصدر تمويل هذه الحركة الواسعة وكيلومتراتها المقطوعة؟ وهل دُفِع بأدوات الموارد العمومية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لتمويل هذا الحراك أو توفير مستلزماته لوجستياً؟
إن المسألة لا تتلخص في كلفة سيارة هنا أو هناك، بل تشير إلى أزمة عميقة في فلسفة ترتيب الأولويات. فعندما يفتقر المواطن لخدمات أساسية كالماء والكهرباء والأمن، يصبح من الواجب إخضاع ميزانيات الدولة وسلوكها التنفيذي لسؤال الجدوى الاجتماعي: أين ينبغي أن تتجه الموارد أولاً؟ وما القضايا التي تمس معيشة الناس وتستحق الأسبقية؟ فالـ «دولة الرشيدة» هي التي تُوجه الموارد بكفاءة، في الوقت المناسب، وبالقدر الذي يخدم المصلحة العامة.
السياسة المعزولة عن الشارع :
من الصعب فصل هذا التدهور الخدمي اليومي عن السجال السياسي الممتد حول التعديلات الدستورية والحوارات والمأموريات. ليس لأن هذه القضايا بلا وزن سياسي، بل لأن هناك أولويات أكثر ضاغطية بالنسبة للمواطن البسيط: حق البقاء والعيش الكريم.
أن يجد ماءً نظيفاً وشراباً سائغاً.
أن تتوفر لديه الطاقة عند غروب الشمس.
أن يطمئن على أسرته وأطفاله.
أن يشعر بحضور الدولة في تفاصيل حياته، لا في الأوراق والنصوص فقط.
إن الحوارات السياسية وما ينجم عنها من توافقات تفقد جوهرها الأخلاقي إذا انقطعت عن هموم الشارع. فالسياسة ليست غاية مستقلة عن حياة الناس، بل تستمد قيمتها من قدرتها الإجرائية على تحسين تلك الحياة.
مفارقة الوفرة والتخلف: الفساد كـ «إفساد للعقل الإداري» :
تتضاعف المفارقة حين نتذكر أن موريتانيا ليست بلداً فقيراً بالمعنى المطلق؛ إذ تمتلك مقومات اقتصادية واعدة: من الحديد والذهب والغاز الطبيعي، إلى الثروة السمكية الهائلة والأراضي الزراعية، فضلاً عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي. ومع ذلك، تُدار الأمور وكأننا نعاني من ندرة مطلقة في الموارد.
فإذا لم تكن الأزمة أزمة موارد، فأين تكمن المعضلة؟ هل هي في الهشاشة البنيوية؟ أم في غياب الرؤية الاستراتيجية؟ أم في ضعف حكامة المؤسسات؟
يتجه البعض إلى اختزال المشكلة في ظاهرة «الفساد». والفساد بالفعل ليس مجرد نهب مباشر للمال العام؛ بل هو -في صورته الأخطر-إفساد للعقل الإداري، وتشويه للأولويات، وتعطيل لآليات القرار السليم، وتخريب للرابط الاجتماعي بين المواطن والدولة.
عندما يُهدر المال العام، لا نخسر أرقاماً مالية فحسب، بل نخسر فرصاً تنموية ضائعة لبناء مستشفى، أو تجهيز مدرسة، أو إنشاء محطة طاقة.
وعندما تغيب المساءلة والمحاسبة، يتكرر الخطأ وتتكرر معه النتائج الكارثية.
وعندما يغيب التخطيط طويل المدى، تحصر الدولة نفسها في دور «فرقة إطفاء الحرائق»، تتعامل مع العرض وتنسى المرض.
تحويل الأزمة إلى نمط حياة: الخطر الأكبر :
إن أشد ما يهدد استقرار المجتمعات ليس الوقوع في أزمة عابرة -فالأزمات تعتري كل الدول- وإنما مأسسة الأزمة وتطبيعها، بحيث يتكيف المواطن مع الظلام والعطش والغلاء كما يتكيف مع تقلبات الطقس. حين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة من الاستقالة والاعتياد، تكون العلاقة الضمنية بين الدولة والمواطن قد أصيبت بشرخ عميق يحتاج إلى مراجعة شاملة.
إن المعركة الحقيقية ليست مع انقطاع الكهرباء أو غلاء الأسعار كأعراض ظاهرة، بل مع النموذج الذهني والإداري الذي يتيح لهذه الأزمات أن تتكرر بلا رادع أو حلول جذرية.
مسار الخروج: من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل إن الخروج من مأزق الهشاشة لا يتحقق بالشعارات أو تبادل الاتهامات، بل بالاعتراف الصريح بوجود الاختلالات، وتفعيل مبادئ الحكامة الرشيدة القائمة على:
التخطيط الاستراتيجي المستدام: الانتقال من منطق رد الفعل إلى الوقاية والاستشراف.
إعادة ترتيب الإنفاق العام: ربط الميزانيات بعائدها المباشر على حياة الناس وتنمية رأس المال البشري والبنية التحتية.
الشفافية والمساءلة: إخضاع المؤسسات للرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
تفعيل الشراكة المجتمعية: إشراك المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والنخب الفكرية والإدارية في صياغة البدائل والحلول.
فالأوطان لا تُبنى بجمال النصوص أو تراكم الثروات وحدهما، بل بمدى القدرة على إدارة هذه الثروات بحس وطني ورؤية مؤسسية نافذة.
أما وقد طال البحث عن سر هذه المفارقة، فلم يعد أمامي إلا أن أرفع الدعاء: «اللهم إن كان في أمرنا هشاشة فقوِّنا، وإن كان جهلاً فعلِّمنا، وإن كان فساداً فأصلحنا، وإن كان سوء تدبير فألهمنا الرشد. وأفوض أمري إلى الله».
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل