أكبر كذبة سياسية يمكن أن تصدقها الشعوب هي أن وجود حكومة يعني وجود دولة.قد تكون هناك رئاسة، ووزارات، وبرلمان، وجيش، وشرطة، وميزانية، وسفارات، ومئات المسؤولين، ومع ذلك لا تكون هناك دولة بالمعنى الحقيقي.الدولة ليست عدد المؤسسات التي تظهر في الوثائق، بل قدرتها على العمل عندما يغيب الأشخاص الذين يديرونها.كثير من الحكومات لا تفشل لأنها عاجزة عن السيطرة على الدولة، بل لأنها تنجح في السيطرة عليها أكثر مما تنجح في بنائها.تسيطر على التعيينات، وتسيطر على الموارد، وتسيطر على الأجهزة الأمنية، وتسيطر على الخطاب السياسي، وتوزع المناصب على الموالين، لكنها لا تبني مؤسسة قادرة على البقاء بعد رحيلها.وهذا هو الفرق بين الحاكم الذي يريد دولة، والحاكم الذي يريد سلطة.
الحاكم الذي يريد دولة يبني مؤسسة تستطيع أن تقول له: لا أما الحاكم الذي يريد سلطة، فيبحث عن مؤسسة تقول له: نعم ومن هنا تبدأ عملية تدمير الدولة ببطء.عندما تصبح الوظيفة مكافأة للولاء، يموت مبدأ الكفاءة.عندما تصبح التعيينات السياسية أهم من الخبرة، تموت الإدارة عندما يصبح القانون انتقائيا، تموت العدالة.عندما يصبح الجيش مرتبطا بالسياسة، يموت مفهوم المؤسسة العسكرية الوطنية.عندما تصبح القبيلة طريقا إلى السلطة، تموت المواطنة وعندما يصبح المال العام وسيلة لشراء الولاءات، يتحول الفساد من جريمة إلى نظام ثم تسأل الحكومة: لماذا لا تتقدم الدولة؟ لأنها ببساطة تستهلك الدولة بدلا من أن تبنيها.الدولة الحديثة تحتاج إلى مؤسسات تستطيع العمل دون أن تنتظر اتصالا من الوزير، وقضاء يستطيع محاسبة المسؤول، وشرطة تحمي المواطن لا أن تحمي السلطة فقط، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، واقتصاد ينتج الثروة بدلا من انتظار خزينة الدولة.أما إذا كان كل شيء مرتبطا بشخص واحد، فهذه ليست قوة سياسية.هذه هشاشة مؤسسية مقنعة بالقوة.وأن بعض الحكومات تستخدم ضعف المؤسسات كوسيلة للبقاء.
لماذا؟ لأن المؤسسة القوية تقيد السلطة القضاء المستقل يحد من السياسي الصحافة الحرة تكشفه البرلمان الفعال يراقبه الإدارة المهنية ترفض أوامر غير قانونية المجتمع المدني يسأله.والمواطن الواعي لا يحتاج إلى واسطة كي يحصل على حقه.لهذا فإن بناء الدولة ليس مشروعا إداريا فقط؛ إنه في جوهره صراع مع مصالح سياسية تستفيد من ضعف المؤسسات.ونفهم لماذا يمكن أن تجد دولة غنية بالموارد لكنها فقيرة في الخدمات، ودولة لديها آلاف الموظفين لكنها عاجزة عن تنفيذ سياسة، ودولة لديها أجهزة أمنية كثيرة لكنها عاجزة عن توفير الأمن الحقيقي للمواطن.القدرة على السيطرة ليست هي القدرة على الحكم.والقدرة على إصدار الأوامر ليست هي القدرة على بناء المؤسسات والقدرة على البقاء في السلطة ليست هي القدرة على بناء الدولة الدولة تقاس بشيء أبسط هل يستطيع المواطن أن يحصل على حقه دون أن يعرف مسؤولا؟ هل يستطيع أن يذهب إلى المحكمة دون خوف؟هل يستطيع أن يجد وظيفة على أساس الكفاءة؟ هل يستطيع أن ينتقد الحكومة دون أن يخسر أمنه؟ هل تستطيع المدرسة أن تعمل دون تدخل سياسي؟ هل يستطيع المستشفى تقديم الخدمة دون واسطة؟ هل تستطيع المؤسسة أن تستمر عندما يتغير الوزير؟ إذا كانت الإجابة لا، فالمشكلة ليست في المواطن.المشكلة في الدولة التي لم تتحول بعد إلى مؤسسة عامة.
ويقع السياسيون في خطأ آخر تحميل المجتمع مسؤولية فشل الدولة يقولون إن الشعب قبلي.لكن من الذي جعل الدولة عاجزة عن تقديم مواطنة تتجاوز القبيلة؟ يقولون إن الشعب غير متعلم. لكن من الذي بنى نظاما تعليميا ينتج الشهادات أكثر مما ينتج التفكير والمهارات؟ يقولون إن الشباب عاطلون لأنهم لا يعملون بجد.لكن من الذي فشل في بناء اقتصاد يستطيع خلق الوظائف يقولون إن الفساد منتشر في المجتمع.لكن من الذي يملك السلطة والميزانية والتعيينات والعقود؟ لا يمكن أن تطلب من المواطن أن يكون أفضل من الدولة التي يعيش داخلها.إذا كانت الدولة تكافئ الواسطة، سيتعلم الناس الواسطة.إذا كانت تكافئ الولاء، سيبحث الناس عن الولاء.إذا كانت تحمي الأقوياء، سيبحث الضعفاء عن قوة تحميهم.إذا كانت تهمل القانون، سيتوقف الناس عن الإيمان بالقانون.الدولة تعلم المجتمع سلوكها قبل أن تطلب من المجتمع احترامها. ولهذا فإن بناء الدولة يبدأ من تغيير سلوك السلطة نفسها. لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية الغنيمة.لا يمكن بناء المواطنة بعقلية القبيلة.لا يمكن بناء المؤسسات بعقلية الشخص الواحد لا يمكن بناء اقتصاد منتج بعقلية توزيع الوظائف. ولا يمكن بناء الديمقراطية بمجرد إجراء انتخابات إذا كانت المؤسسات التي يفترض أن تحمي نتائج الانتخابات ضعيفة الانتخابات ليست الدولة الدستور ليس الدولة البرلمان ليس الدولة الرئيس ليس الدولة حتى الحكومة ليست الدولة هذه كلها أجزاء من منظومة أكبر اسمها الدولة والدولة الحقيقية هي تلك التي تبقى عندما يذهب الجميع.لهذا يجب أن يتغير معيار الحكم على الحكومات.
لا نسأل فقط كم مشروعا افتتحتم؟ بل نسأل كم مؤسسة جعلتم أقوى؟ لا نسأل فقط كم سنة حكمتم؟ بل نسأل ماذا سيحدث للدولة عندما ترحلون؟ لا نسأل فقط: كم مرة تحدثتم عن الوحدة الوطنية؟ بل نسأل: هل يستطيع المواطن أن يحصل على حقه دون أن ينتمي إلى قبيلة أو حزب أو شبكة سياسية؟ ولا نسأل فقط: هل أنتم أقوياء؟ بل نسأل السؤال الذي يخيف السلطة: هل الدولة أقوى منكم؟ إذا كانت الإجابة لا، فلدينا حكومة قوية ودولة ضعيفة.وهذه أخطر معادلة سياسية يمكن أن يعيشها أي مجتمع.لأن الحكومة قد تنجح في البقاء عشرين عاما، لكنها قد تفشل في بناء مؤسسة واحدة تستطيع البقاء عشرين عاما دونها. وعندما يحدث ذلك، لا تكون الحكومة قد بنت دولة لقد بنت سلطة فوق أنقاض الدولة وهنا يجب أن يبدأ النقد الحقيقي نحن لا نحتاج حكومات أكثر قدرة على السيطرة على الدولة.نحتاج حكومات تجعل الدولة أقوى من الحكومة نفسها.لأن الدولة التي تعتمد على الحاكم ليست دولة إنها حكومة كبيرة ترتدي ملابس الدولة.
زكريا_نمر
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل