التكنوقراط في الدولة القبلية:

تبدو فكرة التكنوقراط جذابة في الدول التي تعاني من ضعف المؤسسات والاستقطاب السياسي. يقال إن الدولة تحتاج إلى اصحاب الاختصاص بدل السياسيين، وإن ادارة الاقتصاد يجب أن تذهب إلى الاقتصاديين، والصحة إلى الاطباء، والاشغال إلى المهندسين، والتعليم إلى المتخصصين. هذا الكلام صحيح من حيث المبدأ، لكنه يصبح ناقصا عندما نتجاهل البيئة التي يعمل فيها هؤلاء الخبراء.في مجتمع تحكمه العلاقات القبلية والجهوية، لا يدخل التكنوقراط إلى الدولة وهم يحملون شهاداتهم فقط. يدخلون ايضا إلى شبكة اجتماعية وسياسية واسعة من العلاقات والانتماءات والمصالح. وقد يكون الشخص مستقلا حزبيا، لكنه ليس بالضرورة مستقلا عن القبيلة أو المنطقة أو رجال النفوذ أو شبكات المصالح. تصبح عبارة حكومة تكنوقراط بحاجة إلى سؤال اصعب هل نحن أمام حكومة خبراء فعلا، أم أمام إعادة توزيع للنفوذ باستخدام لغة الكفاءة؟

التكنوقراط ليسوا طبقة فوق المجتمع، ولا يعيشون خارج السياسة. هم جزء من المجتمع الذي جاءت منه الدولة بكل تناقضاته. الطبيب له بيئته الاجتماعية، والمهندس له علاقاته، والاقتصادي له قناعاته، والاستاذ الجامعي له مصالحه، والمسؤول الاداري له شبكة من العلاقات. الشهادة لا تلغي هذه الاشياء.و يقع الخطأ عندما يتم تقديم التكنوقراط باعتبارهم اشخاصا محايدين لمجرد أنهم غير منتمين إلى حزب سياسي.عدم الانتماء الحزبي لا يعني عدم وجود انحياز.وقد يكون الانحياز اكثر عمقا من الانتماء الحزبي نفسه. السياسي الذي يعلن انتماءه معروف الموقع، ويمكن مناقشة برنامجه ومواقفه. أما الشخص الذي يقدم نفسه باعتباره خبيرا مستقلا ثم يتخذ قرارات تخدم دائرة اجتماعية أو جهوية معينة، فقد يكون اصعب في المساءلة لأنه يستطيع دائما الاحتماء خلف لغة فنية.

في المجتمعات التي تشكل القبيلة والجهة فيها جزءا قويا من الحياة العامة، لا يكفي أن نسأل عن شهادة المسؤول. يجب أن نسأل عن طريقة اختياره، والجهة التي رشحته، والدوائر التي تدعمه، والمصالح التي تحيط به، وكيف يتخذ قراراته.هذه ليست دعوة إلى محاكمة الناس على اصولهم الاجتماعية، بل إلى الاعتراف بحقيقة سياسية: الدولة لا تعمل في فراغ اجتماعي. حين يكون الانتماء القبلي أو الجهوي مؤثرا في توزيع الوظائف والموارد، فإن التكنوقراطية نفسها يمكن أن تتحول إلى اداة للمحاصصة. بدلا من القول إن هذه الوزارة للقبيلة الفلانية، يجري البحث عن شخص يحمل شهادة مناسبة من القبيلة نفسها. ويصبح التعيين قابلا للتسويق باعتباره اختيارا مهنيا، بينما يكون الحساب الاجتماعي حاضرا خلف القرار وتصبح الشهادة واجهة، والمحاصصة هي المحتوى.قد يحمل الشخص درجة دكتوراه في الاقتصاد، لكنه يصل إلى الوزارة لأن التوازن الجهوي يحتاج إلى اسمه. وقد يكون مهندسا ممتازا، لكن اختياره لا علاقة له بالكفاءة وحدها. وقد يكون طبيبا ناجحا، لكن دخوله الحكومة يرتبط بشبكة نفوذ اقوى من سيرته المهنية.لا يعني هذا أن كل تكنوقراط هو نتاج للمحاصصة، ولا أن كل تعيين من منطقة معينة هو تعيين قبلي. المشكلة تظهر عندما يصبح الانتماء الاجتماعي معيارا غير معلن في توزيع السلطة، بينما يجري تقديم القرار للرأي العام باعتباره اختيارا مهنيا خالصا.في هذه الحالة، لا تكون التكنوقراطية قد حلت مشكلة القبلية، بل غيرت طريقة الحديث عنها.بدلا من هذا منصب لهذه المجموعة يصبح الكلام عن “التوازن والتمثيل والكفاءة، بينما لا يعرف المواطن أين تنتهي الكفاءة وأين تبدأ الحسابات السياسية.

التكنوقراط ليسوا بديلا عن السياسة هناك اعتقاد واسع بأن السياسة هي سبب الفشل، وأن الخبراء يستطيعون ادارة الدولة بعيدا عن الصراع السياسي. لكن هذا التصور يتجاهل أن معظم قرارات الدولة سياسية حتى عندما تصدر بلغة فنية.إذا قررت الحكومة زيادة الانفاق على منطقة معينة، فهذه ليست مسألة حسابية فقط. إذا اختارت طريقا يربط مدينة بمدينة اخرى، فهذا قرار له اثر اقتصادي وسياسي. إذا وزعت الوظائف الحكومية بين الولايات، فهي تتعامل مع قضية حساسة تتعلق بالعدالة والتمثيل. إذا حددت اولويات التنمية، فهي تقرر من يحصل على الموارد ومن ينتظر. الخبير يستطيع أن يشرح تكلفة القرار واثاره المتوقعة، لكنه لا يستطيع أن يحسم وحده السؤال المتعلق بمن يتحمل التكلفة ومن يحصل على الفائدة.هذا سؤال سياسي.لهذا فإن الحكومة لا تحتاج إلى التخلص من السياسة، بل تحتاج إلى سياسة اكثر عقلانية تعتمد على الخبرة.المشكلة تظهر عندما يستخدم شعار التكنوقراط لإبعاد النقاش العام. المسؤول يقول إن القرار فني، ثم يتوقع من المجتمع أن يقبله دون سؤال. لكن لا يوجد قرار حكومي كبير يمكن فصله تماما عن السياسة.حتى الارقام لها سياسة عندما تستخدم لتحديد اولويات الدولة.حين تصبح الكفاءة مجرد كلمة الكفاءة ليست شهادة جامعية فقط. قد يكون الشخص حاصلا على اعلى الدرجات العلمية، لكنه ضعيف في الادارة، عاجز عن اتخاذ القرار، سيئ في التواصل، أو غير قادر على العمل داخل مؤسسة معقدة.

الدولة لا تحتاج فقط إلى شخص يعرف تخصصه، بل إلى شخص يستطيع استخدام معرفته داخل نظام عام مليء بالقيود والمصالح والقوانين.وهنا يجب التمييز بين الخبير والاداري والسياسي.الخبير يعرف مجالا محددا.الاداري يعرف كيف يحول القرار إلى مؤسسة واجراءات.السياسي يفهم المصالح المتعارضة والشرعية والمساءلة والرأي العام.والوزير يحتاج إلى قدر من الثلاثة، حتى لو لم يكن متخصصا في كل التفاصيل.لذلك فإن تحويل كل وزارة إلى مساحة مغلقة للمتخصصين ليس بالضرورة اصلاحا. قد يكون ضروريا أن يكون وزير الصحة طبيبا، لكنه ليس شرطا دائما. الاهم أن يفهم القطاع، ويعرف كيف يستعين بالخبراء، ويمتلك قدرة على الادارة واتخاذ القرار، ويخضع للمساءلة. الخطر الاكبر في الدولة الهشة في الدول ذات المؤسسات القوية، يستطيع النظام المؤسسي أن يحد من تأثير الاشخاص. أما في الدول التي تكون فيها المؤسسات ضعيفة، فإن الشخص نفسه قد يصبح اهم من المؤسسة.يمكن أن يتحول التكنوقراط إلى واجهة لشبكة سياسية أو قبلية أو اقتصادية. الوزير يقدم نفسه باعتباره خبيرا، لكن القرار الفعلي قد يتأثر بمن يملك القدرة على الوصول إليه، ومن يستطيع التأثير في التعيينات، ومن يتحكم في الموارد.

وفي هذه الحالة يصبح الحديث عن الخبراء المستقلين مضللا إذا لم تصاحبه آليات واضحة للشفافية والمساءلة.من اختار الوزير؟ ما المعايير التي استخدمت؟ هل نشرت الحكومة سيرته المهنية؟ هل هناك منافسة حقيقية على المنصب؟ هل توجد جهة مستقلة تراجع التعيين؟ هل يستطيع البرلمان أو القضاء أو الاعلام مساءلته؟ هل يستطيع المواطن معرفة اسباب القرارات التي يتخذها؟ هذه الاسئلة اهم من كلمة تكنوقراط نفسها.التكنوقراط والقبيلة في المجتمع القبلي، يمكن للقبيلة أن تكون مصدرا للدعم والحماية والضغط في الوقت نفسه. وقد يجد المسؤول نفسه بين متطلبات الوظيفة العامة وضغوط جماعته الاجتماعية. إن قيمة الدولة المؤسسية. الموظف العام يجب أن يكون مسؤولا أمام القانون، لا أمام جماعته الاجتماعية. الوزير لا يمثل قبيلته داخل الحكومة، بل يمثل مؤسسة الدولة. والموظف لا يحصل على الوظيفة لأنه ابن منطقة معينة، ولا يحرم منها لأنه ينتمي إلى منطقة اخرى.لكن هذه القاعدة تصبح صعبة عندما تكون الدولة نفسها قد اعتادت توزيع المواقع على اساس اجتماعي.إذا كانت كل مجموعة تريد وزيرا منها، وكل منطقة تريد مديرها، وكل قبيلة تريد نصيبها من الوظائف، فلن تكفي زيادة عدد التكنوقراط. المشكلة في النظام الذي يجعل الوظيفة العامة غنيمة اجتماعية. ويصبح الاصلاح اكبر من تغيير اسماء الوزراء.هل التكنوقراطية حل؟ التكنوقراطية يمكن أن تكون جزءا من الحل، لكنها ليست الحل الكامل.نحتاج إلى خبراء، نعم. نحتاج إلى اقتصاديين في الاقتصاد، واطباء في الصحة، ومهندسين في البنية التحتية، ومتخصصين في الزراعة والطاقة والمياه والتعليم. لكننا نحتاج قبل ذلك إلى مؤسسات تمنع تحويل التخصص إلى ستار للمحاصصة.لا يكفي أن نقول إن الحكومة غير حزبية. يجب أن تكون معايير التعيين واضحة.ولا يكفي أن نقول إن الوزراء اصحاب كفاءة. يجب أن تكون نتائجهم قابلة للقياس. ولا يكفي أن نقول إنهم مستقلون. يجب أن تكون مصادر نفوذهم ومصالحهم معروفة.ولا يكفي أن يحمل المسؤول شهادة عالية. يجب أن يعرف كيف يخدم بها المصلحة العامة.

المشكلة ليست في السياسي وحده من السهل تحميل السياسيين كل الفشل، ثم تقديم التكنوقراط كمنقذين. لكن هذا ايضا هروب من الواقع.الخبير يمكن أن يخطئ.الخبير يمكن أن يفسد.الخبير يمكن أن يفشل في الادارة.الخبير يمكن أن يخضع للنفوذ.الخبير يمكن أن يكون جزءا من شبكة مصالح.لذلك لا توجد طبقة بشرية محصنة ضد الفساد لمجرد أنها متعلمة.وقد يكون الفساد في مكتب يرتدي صاحبه بدلة رسمية ويحمل شهادة دكتوراه اكثر تعقيدا من فساد موظف صغير، لأن الاول يملك المعرفة والقدرة على اخفاء القرار خلف الاجراءات والارقام واللوائح.المشكلة ليست في التعليم، بل في غياب النظام الذي يجعل المعرفة خادمة للمصلحة العامة.الدولة تحتاج إلى عقل سياسي وعقل فني الدولة الجادة لا تختار بين السياسي والتكنوقراط كما لو أن أحدهما يجب أن يلغي الآخر.هي تحتاج إلى سياسي يفهم قيمة العلم، وخبير يفهم طبيعة السياسة، ومؤسسات تمنع الاثنين من تحويل السلطة إلى ملكية شخصية.السياسي الذي لا يستمع إلى الخبراء يقود الدولة بالحدس والولاء.والخبير الذي يحتقر السياسة قد يعتقد أن الارقام تستطيع وحدها حل صراعات المجتمع.كلاهما مخطئ.الأرقام لا تحدد وحدها العدالة، والخطابات السياسية لا تبني وحدها الاقتصاد.الدولة تحتاج إلى معرفة، لكنها تحتاج ايضا إلى شرعية ومؤسسات ومساءلة.لهذا يجب أن نتوقف عن استخدام كلمة “تكنوقراط” كأنها شهادة حسن سلوك. ليست كل حكومة غير حزبية حكومة كفاءة، وليس كل متخصص صالحا للادارة العامة، وليس كل شخص مستقل حزبيا مستقلا عن النفوذ.في المجتمعات القبلية والجهوية، التحدي الحقيقي ليس العثور على اشخاص يحملون شهادات، بل بناء نظام يجعل الكفاءة اقوى من الانتماء، والمؤسسة اقوى من الشخص، والقانون اقوى من القبيلة، والمصلحة العامة اقوى من شبكة العلاقات.عندها فقط يمكن أن يكون التكنوقراط جزءا من اصلاح الدولة.أما إذا بقيت المناصب توزع على اساس الولاء والجهة، ثم جرى تغليفها بشهادات جامعية ومصطلحات ادارية، فإننا لا نبني حكومة تكنوقراط.

نحن فقط نمنح المحاصصة لغة اكثر اناقة.والدولة لا تصبح علمية لأن وزراءها يحملون شهادات عليا، كما أنها لا تصبح ديمقراطية لأن وزراءها غير منتمين إلى الاحزاب.المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت السلطة تعمل وفق قواعد واضحة، وهل يمكن محاسبة من يمارسها، وهل يحصل المواطن على حقوقه دون أن يسأل عن قبيلته أو منطقته، وهل تصبح الوظيفة العامة خدمة للدولة لا مكافأة لشبكة اجتماعية.عندما يتحقق ذلك، يصبح الخبير خبيرا فعلا.وقبل ذلك، قد يكون لقب التكنوقراط مجرد اسم حديث لمشكلة قديمة.

زكريا_نمر

شاهد أيضاً

الفلسفة والمرأة

يبدو تاريخ الفلسفة للوهلة الأولى وكأنه حكاية ذكورية خالصة. فالأسماء التي حفظها التراث الفلسفي – …