لم تعد العلمانية اليوم مجرد مفهوم قانوني ينظم العلاقة بين الدولة والدين كما كانت تطرح في الأدبيات الكلاسيكية، بل أصبحت في كثير من الأحيان جزءا من معركة أوسع حول هوية المجتمع وحدود الحرية ومن يملك الحق في تعريف القيم العامة. ولهذا لم يعد الجدل يدور حول ضرورة الفصل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة، وإنما حول ما إذا كانت العلمانية نفسها قد تحولت، في بعض صورها المعاصرة، إلى منظومة فكرية مغلقة تنتج ما كانت تعترض عليه في الأصل سلطة تحدد ما يجوز التفكير فيه وما ينبغي استبعاده.لقد ولدت العلمانية الأوروبية في سياق تاريخي محدد، بعد قرون من الصراع بين الكنيسة والسلطة السياسية، وبعد حروب دينية دفعت المفكرين إلى البحث عن نموذج يضمن حياد الدولة تجاه العقائد المختلفة. ولم يكن الهدف القضاء على الدين أو إقصاء المتدينين من المجال العام، بل بناء نظام سياسي يمنع احتكار الحقيقة الدينية داخل مؤسسات الحكم. لذلك ارتبطت العلمانية، في بداياتها، بفكرة الحرية أكثر من ارتباطها بفكرة العداء للدين.غير أن الأفكار، مثل الأنظمة السياسية، لا تبقى ثابتة. فهي تتغير بتغير القوى التي تتبناها، والظروف التي تتحرك فيها، والمصالح التي تحيط بها. وما بدأ وسيلة لتنظيم العلاقة بين السلطة والدين، تحول في بعض البيئات إلى رؤية شاملة للحياة، لا تكتفي بإدارة الاختلاف، بل تسعى إلى إعادة تعريف الأخلاق والهوية والثقافة، بل وحتى الإنسان نفسه. وعندما تصل أي فكرة إلى هذه المرحلة، فإنها تصبح أقرب إلى الأيديولوجيا منها إلى المبدأ السياسي.
وأول علامة على هذا التحول هي الطريقة التي يُعامل بها المخالفون. ففي المجتمعات التي تؤمن فعلا بحرية التفكير، يكون الرد على الفكرة فكرة أخرى، والحجة تواجه بالحجة، والنقد يواجه بالنقد. أما عندما يصبح مجرد طرح سؤال حول بعض المسلمات الفكرية سببا في التشهير أو الإقصاء أو الاتهام، فإن القضية لم تعد دفاعا عن الحرية، بل ممارسة لنوع جديد من الوصاية الفكرية.يمكن ملاحظة ذلك في كثير من الجامعات الغربية والمؤسسات الإعلامية والثقافية، حيث أصبحت بعض الموضوعات محاطة بحساسية شديدة، لا لأن مناقشتها مستحيلة علميا، وإنما لأن الاقتراب منها قد يكلف الباحث أو الكاتب سمعته أو وظيفته أو حضوره الأكاديمي. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل ما زلنا أمام فضاء حر للأفكار، أم أمام منظومة تحدد مسبقا ما يجب الإيمان به وما يجب رفضه؟
لا يعني هذا أن العلمانية في ذاتها مسؤولة عن هذه الممارسات، كما لا يعني أن كل من يدافع عنها يتبنى هذا المنطق. فالتمييز بين الفكرة وتطبيقاتها ضروري حتى لا يتحول النقد إلى تعميم. لكن من الخطأ أيضا تجاهل أن بعض الخطابات العلمانية المعاصرة لم تعد تكتفي بالمطالبة بحياد الدولة، بل أصبحت تمنح نفسها سلطة أخلاقية وثقافية تجعلها المرجعية الوحيدة المقبولة في النقاش العام. فالعلمانية التي نشأت لتحد من احتكار الحقيقة، قد تتحول، إذا أغلقت باب النقد، إلى صورة أخرى من احتكار الحقيقة. والفرق بين الحالتين لا يكون في طبيعة السلطة، بل في مصدرها. فبدلا من أن تستند إلى نص ديني، تستند إلى نص أيديولوجي، وبدلا من رجال الدين يظهر حراس الفكر، وبدلا من تهمة الهرطقة تظهر تهم أكثر حداثة، لكنها تؤدي الوظيفة نفسها: إخراج المختلف من دائرة المقبول.
إن كل مشروع فكري معرض لهذا الانحراف عندما ينسى أن قوته لا تأتي من حصانته ضد النقد، بل من قدرته على تحمل النقد. فالأفكار التي تحتاج إلى المنع حتى تبقى حية، هي في الغالب أفكار فقدت ثقتها بنفسها. أما الفكرة الواثقة، فلا تخشى الأسئلة، لأنها تدرك أن الحوار ليس تهديدا لها، بل شرط من شروط بقائها. ولا يصبح السؤال هل العلمانية صحيحة أم خاطئة؟ لأن هذا سؤال يختزل قضية معقدة في ثنائية مبسطة. السؤال الأهم هو: هل ما زالت العلمانية، في بعض تطبيقاتها المعاصرة، وفية لفلسفتها الأولى القائمة على الحرية والتعددية، أم أنها بدأت تنتج ثقافة جديدة من المحرمات الفكرية التي لا تقل صرامة عن المحرمات التي جاءت أصلا لمواجهتها؟
هذا السؤال لا يستهدف إدانة العلمانية، بل اختبارها بالمقياس نفسه الذي اختبرت به غيرها: هل تقبل النقد؟ وهل تؤمن بحرية الاختلاف حتى عندما يطولها هي نفسها؟ أم أن الحرية تتوقف عند حدود المسلمات الجديدة التي لا يجوز المساس بها؟هذه الأسئلة ليست دعوة للعودة إلى هيمنة الدين على الدولة، كما قد يظن البعض، وإنما دعوة إلى حماية المجال العام من أي سلطة تدعي امتلاك الحقيقة النهائية، سواء جاءت مرتدية ثوبا دينيا أو ثوبا فلسفيا أو سياسيا. فالتاريخ يعلمنا أن الاستبداد لا يرتبط بعقيدة معينة، بل بطريقة التفكير التي تحول الفكرة إلى عقيدة مغلقة، وتجعل النقد جريمة، والاختلاف خطيئة، والشك خيانة.
زكريا_نمر
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل