ما جرى لقمة نواكشوط للشباب من توقّف وتأجيل غير مبرَّر لا يمكن فهمه بوصفه حادثًا إداريًا عابرًا، بل ينبغي قراءته في سياق أعمق يتعلّق بعلاقة السلطة بالفكر، وبالدور الذي يُراد – أو لا يُراد – للشباب الواعي أن يؤديه في المجال العام. فالتاريخ السياسي والفكري يعلّمنا أن الأنظمة التي تفتقر إلى مشروع وطني جامع غالبًا ما تخشى المبادرات المستقلة، لا لعيبٍ فيها، بل لأنها لا تنبثق من عباءتها الرمزية ولا تُحسب إنجازًا خالصًا لها. هكذا تتحوّل الدولة من راعٍ للأفكار إلى حارسٍ على المجال العمومي، يضيق صدره بكل فعلٍ لا يبدأ باسمه ولا ينتهي عند صورته.
إن اختزال قمة شبابية فكرية وثقافية في الخلفيات الأيديولوجية المفترضة لبعض القائمين عليها، حتى وإن كانوا محسوبين على تيارات إسلامية معارضة، هو في ذاته مغالطة فكرية وسياسية؛ لأن الشباب المعنيين بالقمة – كما هو ثابت في الواقع – ينتمون إلى نخبة واعية من خيرة شباب البلد، يجمعهم هاجس التغيير الفكري والثقافي والعلمي، لا مشروع الهيمنة ولا منطق الاستقطاب. لقد سعوا، بوعي ومسؤولية، إلى التعاقد مع مؤسسات وجهات داعمة، واختاروا طريق التمويل عبر الشراكات والترويج المشروع، وهو ما يُحسب لهم لا عليهم، ويعكس نضجًا مدنيًا كانت الأولى بالسلطة أن تحتضنه وتحوّله إلى إنجاز وطني يُحسب لها لا ضدها.
غير أن الأنظمة التي تعاني فقرًا في الخيال السياسي – كما يقول بندكت أندرسون – تميل إلى منافسة الأشخاص بدل الأفكار، وإلى تحجيم المبادرات بدل تطويرها. وهذا السلوك ليس جديدًا في التاريخ؛ فقد حاربت أثينا سقراط لا لأنه حمل سيفًا، بل لأنه أيقظ العقول، ونكّلت محاكم التفتيش بغاليليو لا لأنه كذب، بل لأنه قال حقيقة سبقت زمنها، وضاقت دول كثيرة في القرن العشرين بالمثقفين الأحرار لأنهم مثّلوا وعيًا لا يُدجَّن بسهولة. إن الخوف من الفكر المستقل هو، في جوهره، خوف من المستقبل، لأن الفكر هو القوة الوحيدة التي لا تُدار بالأوامر ولا تُحتوى بالقرارات.
كان الأجدر بالنظام أن يسعى إلى رعاية هذه القمة، لا إلى تركها معلّقة في فراغ الانتظار، لأن الدول الرشيدة – كما يبيّن جون ستيوارت مل – تقاس بقدرتها على توسيع أفق الحرية لا بتقليصه، وعلى تحويل المبادرات المجتمعية إلى رافعة وطنية لا إلى عبء أمني أو سياسي. فالدولة التي لا تصنع إنجازاتها بنفسها، ولا تسمح لغيرها بصنعها، إنما تحكم على نفسها بالجمود، وتفتح مسافة خطرة بينها وبين جيلٍ لا يطلب سوى حقه في التفكير والمشاركة وبناء المعنى.
إن تأجيل قمة نواكشوط للشباب، من دون مبررات كافية وشفافة، ليس أزمة تنظيم، بل علامة على أزمة ثقة بين السلطة والشباب، وعلى خلل في فهم السياسة بوصفها إدارة للاختلاف لا إقصاءً له. فالأفكار لا تُحارَب بالتأجيل، ولا تُطفَأ بالمنع، بل تُناقَش وتُنافس بأفكار أعمق وأجدى. أما حين تختار السلطة أن تنافس الأشخاص بدل الأفكار، فإنها تعلن – من حيث لا تشعر – إفلاسها الرمزي، لأن من يثق في فكرته لا يخشى غيره، ومن يؤمن بوطنه لا يخاف من شبابه.
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل