الإعلام في عيون شعراء الاستقلال

 

لقد كان حدثُ نقل الإذاعة الوطنية من مدينة سينلوي السنغالية إلى نواكشوط في 31 دجمبر 1961 لتبدأ بثها الجديدَ باسم إذاعة موريتانيا في فاتح يناير 1962، حدثاً تاريخياً مثّل مصدر فخر واعتزاز بالسيادة لدى الموريتانيين فتسابقت له أقلامُ الشعراء والكتّاب، وما مثلته الجملةُ الشهيرة: هنا نواكشوط – إذاعة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، باللغة العربية، بدل اللغة الفرنسية المسيطرة آنَئذٍ، من إحساس يوحي بأن فجراً إعلامياً قد أشرق نورُه، ولاح وميضُه.

ومع هذا الحدث التاريخي الفريد انطلقت أقلام الشعراء وحناجر المغنين، تمجيداً لهذه الخطوة المُهمة في تنوير وتثقيف المواطنين بمفهوم الدولة المدنية وما تقدِّمه من فوائدَ وطرائفَ، فهذا محمد ولد مود الجكني يصف تلك اللحظة الشعورية:

يا موريتان شبابك المتدانِ
نحوَ الثقافة ما له مـــن ثانِ
أهلا بها من إذاعةٍ وبرامجٍ
متخالفي الهيئاتِ والألوانِ
بتعلمٍ وتقدمٍ وتـــــــــأدُّبٍ
وبلاغةٍ من منطقٍ وبيَـــــــانِ
ولدى الإذاعةِ عصبةٌ بنَّاءة
لبلادها ومقرِّها المُـــــــزدانِ
من كاتبٍ متدربٍ أو منشِئٍ
متعهدٍ لبديعةٍ ومــعَــــــانِ
يُنسيك ذا عبدَ الحميد وذا به
ينسي البديعَ بديعة الهمدانِ
ومحافظٍ متكلمٍ ببرامجٍ
تُحيي دوارسَ مجدِنا المصطانِ

كما ساهمت الإذاعة الوطنيةُ في تنوير المواطنين وتعزيزِ صلتهم بالعالم وإبرازِ الوجه الثقافي لموريتانيا وتراثها العلمي الزاخر، وإشعاعها الحضاري المُشرق، فهذا الشيخ الطالب أخيار ولد الشيخ بوننه في الإذاعة يشيد بذلك في قطعته التي كتب 1967، حيث يقول:

صوتُ الإذاعةِ صوتُ العزِ والوطنِ
يُصغي له الشعبُ عن قلبٍ وعن أذُنِ
يملي عليه أحاديثاً منوعـــــــــةً
تترى تنسق بين الحسْنِ والحسَنِ
صوت يزفُّ إلينا كلَّ طارئةٍ
بين العواصمِ أو في مجلسِ الأمَنِ
يحيي لنا الدينَ في إرساله سوراً
من كل سامٍ خبيرٍ مصقعٍ لَسُنِ
ذكرى الإذاعة عيدٌ في مواسمِنا
ذكراهُ تاجٌ يحلي مفرقَ الزمَــنِ

وبعد الصحافة المسموعة وما مثلته من ريادة وما حققته للوطن والمواطنين على عدة مستويات، وما عرفته من نجاحات، جاء الطموحُ إلى تكوين صحافة مكتوبةٍ توازي الصحافة المسموعة ليتكامل الدور وتتحقّق الأهداف، ممّا جعل الحاجةَ ماسةً إلى إنشاء صحيفةٍ وطنيةٍ يجد فيها كلُ مواطن نفسه وذاته، وتكون مصدراً لنشر الإنتاج الثقافي والعلمي.. هكذا دشن الرئيس المختار ولد داداه يوم الثلاثاء 1 يوليو 1975 الشركة الوطنية للصحافة، والوكالة الموريتانية للصحافة ( الوكالة الموريتانية للأنباء حالياً)، وأعطى الضوء الأخضر لانطلاق جريدة الشعب ( التي مازالت تحتفظ باسمها حتى اللحظة ) باللغتيْن العربيةِ والفرنسية.

ومنذ إنشائها اضطلعت الوكالة الموريتانية على الهُوية العربية والإسلامية، وساهمت في نشر الإنتاج الأدبي الموريتاني، من أشعار وقصص ومقامات وحكايات.. ومن أجناس أدبية لم تعرفها الساحة الموريتانية إلا مع نشأتها، وصارت مكاناً لبحث والمناظرة ومن ذلك ما حدث من كتابات تعليقاً على قصيدة “السفين” للشاعر أحمدُّ ولد عبد القادر، وغيرها..

وأمام تحقُّقِ هذا الطموح الجسيمِ والمطلبِ الجزيل، تنافس الشعراءُ على تمجيدِ هذه الخطوة، ونُصحِ القائمين على هذا الصرح العلمي والثقافي، نصحاً ينفع الجميع، فهذا الشاعرُ محمد يحيى ولد اللُّوه، يقول:

جريدةَ هذا “الشعب” ذات المناقبِ
عليكِ سلامٌ من صديقٍ وصاحبِ
يُشيد بما شيدتِ من لغةِ الهدى
وإحيائِها رغمَ العـــــدوِ المُحاربِ
فيا مُبرزيها للتقدُّم واصــلوا
جهــَودَكم كيْ تظفروا بالمَطالِبِ

وهذا الشاعر أحمد ولد محمد الشيخ سيدي، مثمنا دورَ الشباب القائم على الجريدة:

أعرب النشرُ عن غناءٍ مَكيـــــــنِ
عندما فاز بالنجاح المُــبيـــنِ
فهنيئًا لمــــورتان شبَـــــــــــــابٌ
أحرز العلمَ في جميع الفنـونِ
ودليـــــــلٌ على تقــــــدُّم نشْءٍ
غلَب الجهلَ بالنضالِ المتِينِ
طابت النفسُ في شباب عقول
خدم “الشعبَ” في أشقِّ القرونِ

وهكذا تكامل الدور التوعوي والتثقيفي بإنشاء صحافة مكتوبة إلى جانب صحافة مسموعة ظلت مغيبة عن دورها المنوط بها من طرف المستعمر ولغته، حتى جاء الاستقلال الوطني يحمل بشائره المتعددة، وما الصحافة إلا خير دليل وأكبر شاهد على عظمة وبشارة وفخر الثامن والعشرين من نوفمبر 1960.

—————–
من مقال نُشر عن الموضوع في جريدة الشعب منذ عاميْن.
—————-

تحياتي

شاهد أيضاً

وزيرة التربية تدعو لتفعيل قاعات المعلوماتية في المؤسسات الثانوية

   دعت وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي هدى بنت باباه إلى تفعيل قاعات المعلوماتية بمؤسسات …