لم يكن الإنسان الأول كائناً أخلاقياً. كان كائناً جائعاً.
في طين السافانا، قبل أن يكون هناك خيرٌ وشر، كان هناك معادلةٌ واحدةٌ صارخة: إما أن تأكل، وإما أن تُؤكل. لم يكن القتل جريمة، كان مهارة. لم يكن الاغتصاب رذيلة، كان تكاثراً. لم يكن الكذب عيباً، كان تمويهاً بيولوجياً للبقاء. الطبيعة لم تعرف يوماً “يجب”. الطبيعة عرفت فقط “أستطيع”.
التحول لم يحدث حين صار الإنسان طيباً. التحول حدث حين صار الإنسان ضعيفاً ومزدحماً. حين استقر في المستوطنة الأولى، اكتشف كارثة حسابية: إذا مارس كل ذكرٍ حقه الطبيعي في الافتراس، فإنَّ المستوطنة تنهار في ثلاثة أيام. فكان لا بد من اختراع أعظم كذبةٍ في تاريخ النوع البشري: تحويل العجز الجماعي إلى قداسة. هنا وُلدت الأخلاق، لا في السماء، بل في دفتر حسابات.
لم يأتِ حمورابي ليعلّم الناس العدل. جاء ليحل مشكلة لوجستية: كيف تمنع مئة ألف جائع من ذبح بعضهم على كيس قمح؟ الحل: لا تضع حارساً على كل بيت، ضع حارساً داخل كل رأس. اكتب على مسلةٍ سوداء: الآلهة ترى. وهكذا، لأول مرة، صار الإنسان يخاف حتى وهو وحده. اختُرعت العين الثالثة. عينٌ لا تنام. هذا هو أصل الضمير: شرطيٌّ سومريٌّ متقاعد يسكن فصك الجبهي.
جاء سقراط ولم يسأل ما هو الخير؟. سؤاله الحقيقي كان: كيف نجعل المواطن يجلد نفسه بنفسه؟ فاخترع الفحص الذاتي.
جاء أفلاطون وقسّم النفس إلى عربةٍ يقودها عقلٌ ويجرها حصانان: الشهوة والغضب.
لكنه نسي أن يخبرنا أنَّ السائق نفسه تم تعيينه من قبل الدولة. من هنا، بدأ الانفصام: إنسانٌ يشتهي بطبعه، ويحتقر نفسه لأنه يشتهي، ثم يسمي احتقاره لذاته تزكية. هذا هو المرض النفسي الأول الموثق: أن تكره بيولوجيتك وتسمي كراهيتك طهارة.
ثم جاءت الضربة القاضية. جاء بولس الرسول وأعلن: طوبى للودعاء.
لم تكن هذه رحمة، كانت انتقاماً طبقياً عبقرياً. العبيد في روما لا يستطيعون امتلاك سيوف، فاخترعوا فلسفةً تجعل من عدم امتلاك السيف فضيلة. قالوا: ليس عجزنا عن الانتقام عجزاً، بل هو عفو. ليس فقرنا فقراً، بل هو زهد. ليس قمع شهوتنا خوفاً، بل هو عفة. نيتشه سماها بدقة: أخلاق العبيد. أن تسمي جرحك وساماً.
في خيمةٍ عربية، كان الأمر أوضح. القبيلة لا تحتاج رجلاً صادقاً، تحتاج رجلاً مطيعاً. فسمت الطاعة شرفاً، وسمت الخروج عاراً. الفرد لا يخاف من الله بقدر ما يخاف أن تقول عنه القبيلة “ما فيه خير”. فصار الشرف ليس ما تفعله، بل ما يُقال عنك. وهذا هو أصل الاستلاب القيمي العربي: أن تعيش حياتك كلها كموظف علاقات عامة لسمعة عائلتك، وتموت وأنت لم تعش دقيقةً واحدة لنفسك.
كيف يعمل السجن الآن؟
علم الأعصاب اليوم يفضح الخدعة بلا رحمة. ما تسميه تعاطفاً هو نشاطٌ في الجزيرة المعزولة Insula يحاكي ألم الآخر كأنه ألمك. أنت لا تشعر به، أنت تشعر بنفسك من خلاله. وما تسميه ضميراً هو حلقةٌ مفرغة بين اللوزة الدماغية التي تتذكر عقاب أبيك في عمر الرابعة، والقشرة الجبهية التي تتنبأ بنبذ القطيع لك غداً. أنت لا تختار الخير، أنت تتنبأ بكلفة الشر، فيقرر دماغك أنَّ الخوف أرخص.
حتى الكرم، حتى التضحية، حتى الشهادة، كلها تخضع لقانونٍ واحدٍ صارم في الاقتصاد التطوري: التكلفة المكلفة Signaling Theory. أنا أضحي كثيراً أمام القطيع لكي أرفع أسهمي الاجتماعية. الشهيد لا يموت ليموت، يموت ليعيش رمزياً إلى الأبد في ذاكرة القطيع. إنها أنانيةٌ ترتدي كفناً.
لم يكن الإنسان يوماً كائناً أخلاقياً. كان كائناً براغماتياً يمارس الزهد حين تنضب خزائنه، ويمارس العفة حين تشيخ شهوته، ويمارس الرحمة حين يعجز عن القسوة.
الفضيلة ليست سمواً. الفضيلة هي التقاء مصلحتين: مصلحة الضعيف في أن لا يُفترس، ومصلحة القوي في أن لا يُرهق نفسه بالحراسة.
أما السيادة، فهي شيءٌ آخر تماماً.
السيادة هي أن تفعل الخير وأنت قادرٌ على الشر وقادرٌ على الإفلات من عقابه، ومع ذلك تختار الخير لأنك أنت قررت ذلك، لا لأنَّ خوفك قرره عنك. أن تكون قادراً على الخيانة، وفي اللحظة التي تكون فيها الخيانة مربحةً ومأمونةً، تختار الوفاء، لا لأنَّ الوفاء صح، بل لأن الوفاء في تلك اللحظة هو أنت.
الإنسان الأصيل ليس إنساناً أخلاقياً بمقاييس القطيع. هو إنسانٌ خطيرٌ، يملك أنياباً كاملة، وقرر أن لا يعض. لا لأنه يخاف العقاب، بل لأنه شبع. وما دون ذلك، فهو مجرد قطيعٍ من المفترسات الجائعة، تتبادل العناق لأنها تخاف من العض.
#منذر_القزق
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل