التفاهة تنتشر… والثقافة تنتظر مفارقة العصر الرقمي

 

بات المشهد الرقمي أشبه بحفلٍ صاخب، تعلو فيه أصوات الراقصين والمهللين ضجيجاً وصخباً، بينما يجلس صاحب الموهبة الحقيقية في ركنٍ على هامش القاعة
تلك هي مفارقة زماننا، التفاهة تنتشر بسرعة النار في الهشيم، والمضمون الثقافي الرصين يظل حبيس رُكنِه، لا يكاد صوته يتجاوز عتبة بابه.

إننا في زمنٍ تربّى فيه الذوق العام على الاستهلاك السريع، وخوارزميات المنصات التي لا تُصمَّم لتكريم العمق، بل لإطالة زمن البقاء أمام الشاشة، فهي تكافئ ما يثير الانفعال اللحظي ، الضحك، الصدمة، الفضول الرخيص والغرائز، وتُهمل ما يحتاج إلى تأمل، لأن التأمل يبطئ التمرير، والخوارزمية لا تحب البطء.

لا يصل صاحب المضمون الثقافي إلى جمهوره
بسبب طبيعة المعركة غير المتكافئة التي يخوضها، فصاحب الفكرة العميقة يخاطب عقل المتلقي وحده، بينما يخاطب صاحب التفاهة غرائزه وحواسه،
ومعروفٌ أن الطريق إلى الحاسة أقصر بكثير من الطريق إلى العقل.كذلك فإن المثقف الحق كثيراً ما يترفّع عن “لغة المنصة” وأساليب الإثارة، فيصوغ كلامه بجدية قد تبدو جافةً لِعَينٍ اعتادت الألوان الصاخبة، فيُحسَب عليه ما هو في الحقيقة فضيلة فيه.
وثمة سبب آخر أعمق، غياب الوسيط المنصف. فالناشر أو المنصة يبحثان عن الرواج لا عن الرسالة، فيرفعان ما يُشاهَد لا ما يُفيد، حتى صار كثير من أصحاب المضمون الجاد يشعرون أنهم يتحدثون في غرفة فارغة، بينما تمتلئ القاعة المجاورة بمن يصفقون لفراغٍ لا يسمن ولا يغني
إنه خطرٌ يهدد الذائقة العامة على المدى البعيد. فحين تتصدر التفاهة المشهد باستمرار، يتشكل وعي الأجيال الناشئة على أن القيمة تُقاس بعدد المشاهدات لا بعمق الأثر، فينشأ جيلٌ يحسن التصفيق ولا يحسن التمييز، ويظن أن كلّ من ملأ الشاشة صاحب رسالة، وأن كل من صمت في الظل لا صوت له. وهكذا تنقلب الموازين، يصبح صاحب الصخب معلّماً، ويظل صاحب الحكمة مغبوناً.
مع قتامة هذا المشهد، يبقى بصيص أمل في أن الزمن غربالٌ صبور، لا يستعجل حكمه. فكثيرٌ من “التراند” اليوم سيُنسى غداً كأنه لم يكن، بينما تبقى الأفكار العميقة تتسرب ببطء، من قارئٍ إلى قارئ، حتى تجد طريقها ولو تأخر.

كذلك فإن على صاحب المضمون الثقافي ألا يهمل أدوات العصر ، عليه أن يتعلم كيف يُلبِس الفكرة العميقة ثوباً جذاباً دون أن يُفرغها من جوهرها، لأن الوصول إلى الجمهور ليس تنازلاً عن القيمة، بل هو تمام الرسالة لا نقصها.
التفاهة مصيرها النسيان مهما علا صخبها اليوم. فهي تنتشر كالنار في الهشيم، سريعة الاشتعال، سريعة الخمود، أما الثقافة فتنتظر في هدوء، كما تنتظر البذرة ربيعها تحت الثلج.

اكرم زيدان
.

شاهد أيضاً

مدينة بوكى تحضير وإنجاح المهرجان هم كل المواطنين

  لا تنام مدينة يوكى – فى هذه الآونة – الالتستيقظ على حراك منقطع النظير …