لم يكن تراجع دور الفلسفة في العصر الحديث مجرد تحول في المناهج التعليمية أو تغير في اهتمامات المجتمعات، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بعلاقة الإنسان بالمعرفة والمعنى. فالعالم لم يصبح أقل حاجة إلى الفلسفة، بل أصبح أكثر احتياجا إليها، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر ابتعادا عنها، لأن الفلسفة بطبيعتها تقوم على مساءلة المسلمات وكشف التناقضات وطرح الأسئلة التي تحاول المجتمعات أحيانا الهروب منها.في مراحل تاريخية طويلة، لم تكن الفلسفة مجرد تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، بل كانت قوة أساسية في تشكيل الوعي الإنساني. فمن خلالها ناقش الإنسان معنى العدالة، وحدود السلطة، وطبيعة الحرية، ومفهوم الحقيقة. كانت الفلسفة المحرك الذي يدفع المجتمعات إلى إعادة النظر في أفكارها وأنظمتها، لأنها لم تكتف بوصف العالم، بل حاولت فهم القوانين الفكرية والأخلاقية التي تحكمه.لكن العصر الحديث شهد تحولا كبيرا في طبيعة المعرفة. أصبحت المجتمعات تقيس قيمة الأفكار بقدرتها على الإنتاج السريع وتحقيق المنفعة الاقتصادية المباشرة. لم يعد السؤال الأساسي: ما مدى عمق الفكرة وتأثيرها على الإنسان؟ بل أصبح: ما فائدتها العملية وما قدرتها على تحقيق الربح؟ وهنا بدأت الفلسفة تفقد موقعها أمام العلوم التقنية التي تبدو أكثر ارتباطا بحاجات السوق. غير أن اختزال التقدم في التكنولوجيا والإنتاج يكشف فهما ناقصا لمعنى الحضارة. فالتقدم لا يقاس فقط بقدرة الإنسان على اختراع أدوات جديدة، بل بقدرته على تحديد كيفية استخدامها والغاية منها. التكنولوجيا تمنح الإنسان قوة هائلة، لكنها لا تمنحه وحدها الحكمة اللازمة لتوجيه هذه القوة. وهنا يظهر الدور الحقيقي للفلسفة، فهي لا تصنع الأجهزة، لكنها تسأل عن أثرها على الإنسان ومستقبل المجتمع.
أصبح العالم الحديث أسيرا لمنطق السرعة والكفاءة، حيث يتم تقييم الإنسان وفقا لما ينتجه لا وفقا لما يفكر فيه. تحول الإنسان تدريجيا إلى جزء من منظومة اقتصادية ضخمة، وأصبحت الأسئلة المتعلقة بالمعنى والغاية تبدو أقل أهمية أمام لغة الأرقام والمصالح.لقد نجح الإنسان في السيطرة على الطبيعة وتطوير وسائل مذهلة للاتصال والإنتاج، لكنه لم ينجح بنفس المستوى في فهم نفسه وإدارة تناقضاته. فما زالت البشرية تواجه الحروب والتعصب والاستقطاب والانقسامات، رغم امتلاكها علما متقدما. وهذا يؤكد أن أزمة الإنسان ليست دائما أزمة معرفة، بل أزمة حكمة وقدرة على استخدام المعرفة بطريقة مسؤولة.تعيش المجتمعات اليوم أزمة مرتبطة بتراجع قيمة السؤال. فالعصر الرقمي منح الإنسان كمية هائلة من المعلومات، لكنه لم يمنحه بالضرورة القدرة على تحليلها أو نقدها. أصبحت الثقافة السائدة تميل إلى الإجابات السريعة والمواقف الجاهزة، بينما تحتاج الفلسفة إلى وقت وتأمل وصبر.إن المجتمع الذي يفقد قدرته على السؤال يصبح أكثر قابلية للتأثير والتوجيه، لأن غياب التفكير النقدي يجعل الفرد مستهلكا للأفكار التي تنتجها المؤسسات السياسية والإعلامية والثقافية دون أن يمتلك القدرة على فحصها أو نقدها.ورغم أن الظروف الاجتماعية والسياسية ساهمت في تراجع حضور الفلسفة، فإن الفلسفة نفسها تتحمل جزءا من المسؤولية. فقد أصبحت في كثير من الأحيان أسيرة للغة الأكاديمية المعقدة، وابتعدت عن قضايا الإنسان اليومية، مما جعلها تبدو وكأنها مجال خاص بالنخب فقط.
الفلسفة الحقيقية ليست مجموعة مصطلحات مغلقة، بل هي طريقة لفهم الحياة. يجب أن تكون حاضرة في نقاشات المجتمع حول السلطة والعدالة والتعليم والاقتصاد والهوية والتكنولوجيا. فعندما تنفصل الفلسفة عن الواقع تفقد قدرتها على التأثير، وعندما ترتبط بأسئلة الإنسان تستعيد دورها الطبيعي.ومن مظاهر أزمة العصر أيضا تراجع دور المثقف صاحب الرؤية الشاملة، وصعود نموذج الخبير المتخصص في مجال ضيق. لا شك أن الخبرة العلمية ضرورية، لكن المجتمعات لا يمكن أن تعتمد على المعرفة التقنية وحدها.فالخبير يجيب غالبا عن سؤال: كيف ننفذ؟ بينما يسأل الفيلسوف: لماذا ننفذ؟ وما الهدف من ذلك؟ وما النتائج الأخلاقية والاجتماعية لهذا الفعل؟ لذلك تحتاج الحضارات إلى الجمع بين المعرفة المتخصصة والرؤية الفكرية الواسعة. أن تراجع الفلسفة يحدث في اللحظة التي تواجه فيها البشرية أسئلة فلسفية كبرى. فالذكاء الاصطناعي يثير أسئلة حول الوعي والإنسان، والتغير المناخي يطرح أسئلة حول مسؤولية البشر تجاه الطبيعة، والتطورات العلمية تفتح نقاشات حول حدود التدخل في الحياة.هذه القضايا لا يمكن حلها بالأدوات التقنية وحدها، لأنها مرتبطة بالقيم والاختيارات الإنسانية. فالمشكلة ليست فقط كيف نطور التكنولوجيا، بل كيف نضمن ألا تتحول هذه التكنولوجيا إلى وسيلة تزيد من هيمنة الإنسان على الإنسان.
إن الأمم لا تفشل فقط بسبب ضعف الموارد، بل أيضا بسبب ضعف الأفكار. فالمجتمع الذي يتوقف عن إنتاج الأسئلة يتحول إلى مجتمع يستهلك أفكار الآخرين ويعيش داخل تصورات لم يصنعها بنفسه.كل مشروع حضاري يقوم في جوهره على رؤية فلسفية للإنسان والمجتمع والمستقبل. لذلك فإن غياب الفلسفة لا يعني غياب الأفكار، بل يعني أن الأفكار ستأتي من مصادر أخرى دون أن تكون هناك قدرة كافية على نقدها أو توجيهها.إن تراجع دور الفلسفة لا يمثل أزمة تخص الفلاسفة وحدهم، بل يمثل أزمة حضارية تتعلق بطريقة فهم الإنسان لنفسه ومستقبله. فقد انتصر منطق السرعة على التأمل، وانتصر الإنتاج على المعنى، وأصبحت القدرة على صناعة الأشياء أكثر أهمية من القدرة على فهم آثارها. لكن التاريخ يثبت أن القوة بلا حكمة قد تقود إلى الفوضى، وأن المعرفة بلا أخلاق قد تتحول إلى خطر. فالعلم يحتاج إلى فلسفة توجهه، والسياسة تحتاج إلى فكر نقدي يمنعها من التحول إلى صراع مصالح، والاقتصاد يحتاج إلى رؤية إنسانية تتجاوز منطق الربح وحده.
إعادة الفلسفة إلى موقعها ليست محاولة للعودة إلى الماضي، بل هي ضرورة لصناعة مستقبل أكثر وعيا. فالمستقبل لا يحتاج فقط إلى عقول قادرة على الابتكار، بل يحتاج إلى عقول قادرة على السؤال والنقد وتحديد معنى التقدم. و ليست أزمة العصر في نقص المعلومات، بل في غياب الحكمة التي تحول المعلومات إلى معرفة نافعة. فالأمم التي تمتلك القدرة على التفكير العميق تستطيع أن تصنع مستقبلها، أما الأمم التي تتخلى عن التفكير النقدي فسوف تجد نفسها تعيش داخل مستقبل رسمه الآخرون.
زكريا_نمر
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل