بدأت العمل في الشركة الوطنية للماء وأنا لم أبلغ الثامنة عشرة من عمري بعد، كنت متدربًا أتنقل بين إصلاح الأعطاب ومختلف الأعمال الميدانية، وأنتظر مثل غيري فرصة اكتتاب تضمن لي الاستقرار بعد سنوات من العمل والتعلم”.
بهذه الكلمات يبدأ أحمدو سرد قصته، وهي حكاية تمتد لسنوات بين العمل الميداني والأمل في الترسيم، قبل أن تنقلب فجأة إلى قضية قضائية انتهت بتبرئته من طرف القضاء دون أن يعني ذلك نهاية معاناته.
ويقول أحمدو إنه ظل يترقب أي فرصة اكتتاب تعلنها الشركة، إلى أن جاء إعلان عام 2022 الذي كان يأمل أن يشكل نقطة تحول في مساره المهني.
غير أن الأمور سارت في اتجاه مختلف تمامًا، إذ وجد نفسه، رفقة عدد من زملائه، محل اتهام بتسريب معلومات والتلاعب بالنظام المعلوماتي للشركة.
ويضيف أن الاتهامات قادتهم إلى السجن ثلاثة أشهر كاملة، قبل أن تتكشف خلال مجريات القضية مفارقات وصفها بالمثيرة للاستغراب، من بينها توجيه اتهامات تتعلق بتغييرات قيل إنها حدثت في النظام المعلوماتي خلال فترة كانوا فيها جميعًا خلف القضبان.
ويشير إلى أن أكثر ما أحزنه خلال تلك الفترة لم يكن وضعه الشخصي، بل أوضاع زملائه الذين شملتهم القضية، مؤكدا أن بعضهم كانوا يعيشون ظروفًا اجتماعية صعبة للغاية.
ويستحضر على وجه الخصوص حديث والدة أحد زملائه، الذي كان يعيل أسرة كبيرة، قائلا إن كلماتها ما تزال عالقة في ذاكرته حين أخبرته أن غياب ابنها عن العمل ليوم واحد فقط كان ينعكس مباشرة على قدرة الأسرة على توفير قوتها اليومي.
كما يلفت إلى أن بعض المتهمين لم تكن طبيعة أعمالهم ولا مؤهلاتهم تسمح لهم أصلًا بالقيام بالأفعال المنسوبة إليهم، مضيفًا أن من بينهم شخص يعاني إعاقة جسدية، وآخرون لا علاقة لهم بأنظمة المعلوماتية أو إدارتها.
وتعود وقائع القضية التي يحمل ملفها الرقم: 605/2022، إلى أغسطس 2022، حين اتهمت الشركة الوطنية للماء عاملين فيها بالتلاعب بنظامها المعلوماتي في أحد مراكزها في توجنين، وأحيل خمسة عمال إلى الحبس الاحتياطي على ذمة القضية قبل أن تبرئهم الغرفة الجزائية بمحكمة ولاية نواكشوط الشمالية يوم 8 من ديسمبر 2022 لعدم كفاية الأدلة.
ويؤكد أحمدو أن ما رآه من معاناة زملائه دفعه إلى اتخاذ قرار لم يكن سهلًا عليه، إذ قرر أثناء مثوله أمام القاضي أن يجيب بالإيجاب على كل ما سيُسأل عنه، رغم أنه لم يكن يفهم أصلًا طبيعة التهم التقنية الموجهة إليه.
ويقول إنه كان مقتنعًا بأن زملاءه أبعد ما يكونون عن الأفعال المنسوبة إليهم، وإن همه الأكبر آنذاك كان محاولة تخليصهم من المحنة التي وجدوا أنفسهم فيها، خاصة أولئك الذين كانت أسرهم تعتمد عليهم بشكل كامل في تأمين قوتها اليومي.
غير أن مجريات القضية سارت في اتجاه آخر، إذ كشفت التحقيقات والمداولات لاحقًا هشاشة الاتهامات الموجهة إليهم، قبل أن تنتهي المحكمة إلى تبرئة جميع المتهمين لعدم كفاية الأدلة.
ويقول أحمدو إنهم عادوا بعد ذلك مباشرة إلى أعمالهم المعتادة داخل الشركة، واستأنفوا المهام الميدانية التي كانوا يؤدونها قبل القضية، مؤكدا أن المؤسسة واصلت الاعتماد على خبرتهم الميدانية كما واصلوا هم الاعتماد على العمل كمصدر وحيد لإعالة أسرهم.
غير أن العودة إلى العمل لم تُنهِ الإحساس بالغبن، بحسب أحمدو، الذي يؤكد أن عدداً من العمال تم ترسيمهم خلال السنوات اللاحقة، بمن فيهم بعض الأشخاص الذين شملتهم القضية نفسها، بينما ظل هو وآخرون خارج قوائم الترسيم.
ويتابع أن المجموعة المعنية لم تتوقف عن المطالبة بحقها، حيث لجأت إلى مختلف الجهات المعنية وطرقت كل الأبواب المتاحة أملاً في تسوية وضعيتها المهنية.
ويؤكد أن عدد العمال غير الدائمين المتبقين من دفعتهم لا يتجاوز اليوم نحو أربعين شخصًا، مضيفًا أن الشعور السائد بينهم هو أن غياب الوساطة كان السبب الرئيسي وراء استمرار وضعيتهم الحالية.
ورغم سنوات الانتظار، لا يزال أحمدو متمسكًا بالأمل في أن تنظر إدارة الشركة إلى ملفهم بعين الإنصاف، وأن يتمكنوا أخيرًا من الحصول على الترسيم الذي انتظروه طويلًا.
ويختم حديثه بالقول إن مطلبهم لا يتجاوز الاعتراف بسنوات الخدمة والخبرة التي راكموها داخل المؤسسة، معربًا عن أمله في أن تشكل الإدارة الجديدة فرصة لطي صفحة طويلة من الانتظار وإنصاف من بقوا خارج قوائم الترسيم رغم كل ما قام به من جهد وعطاء.
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل
