مساء بائس يا صديقي

 

أسوأ ما يمكن أن يواجهه الإنسان ليس الفقر، ولا قلة الإمكانات، بل أن يصبح معيار قيمته في أعين الآخرين هو ما يرتديه، أو ما يقوده، أو ما يحمله في جيبه.من أكثر المشاهد بؤسا أن يتم اختزال الإنسان في مظهره الخارجي في ملابس بسيطة، أو سيارة متواضعة، أو هاتف قديم لم يعد معروضا في الأسواق. وكأن الكرامة أصبحت سلعة، تقاس بثمن الأشياء لا بقيمة أصحابها، وكأن الإنسان لم يعد يُعرف بأخلاقه وعقله، بل بما يملك من مظاهر الاستهلاك.غير أن الحقيقة مختلفة تماما. فكل تلك الأشياء زائلة، تتغير مع الزمن، وتفقد قيمتها مع ظهور الجديد، أما قيمة الإنسان الحقيقية فلا يصنعها المال، ولا العلامات التجارية، ولا المظاهر البراقة. إنها تنبع من الداخل من الفكرة التي يحملها، ومن المبادئ التي يعيش من أجلها، ومن قدرته على أن يحترم نفسه حتى في أصعب الظروف. لا تسمح لنظرات الآخرين أن تحدد مكانتك. لا تجعل كلمات المديح ترفعك إلى السماء، ولا عبارات السخرية تهوي بك إلى الأرض. فالإنسان الذي يبني تقديره لذاته على آراء الناس سيظل أسيرا لتقلباتهم، يفرح حين يصفقون له، وينكسر حين يديرون ظهورهم إليه.

قيمتك ليست في شهادتك العلمية وحدها، ولا في بيتك، ولا في سيارتك، ولا في رصيدك المصرفي. قيمتك الحقيقية هي في صدقك، وأمانتك، ووفائك، وفي قدرتك على أن تنام كل ليلة وأنت راض عن نفسك لأنك لم تخن مبادئك، ولم تبع ضميرك مقابل إعجاب عابر أو مكسب مؤقت.هناك قاض لا يخطئ حكمه، وهو الضمير الذي يسكن أعماقك. ذلك القاضي أكثر عدلا من كل محاكم الناس، لأنه يعرف نواياك، ويشهد على صراعك، ويدرك حجم المعارك التي خضتها في صمت. فإذا رضي عنك ضميرك، فلا يضرك كثيرا أن يسخط عليك العالم كله.ومهما أخطأت في حياتك، ومهما انحرفت عن الطريق، فلا تجعل الخطأ سببا في احتقار نفسك أو إهانتها. النفس تحتاج إلى التقويم لا إلى التكسير، وإلى التربية لا إلى الإذلال. عاتبها بحكمة، وأعدها إلى الصواب برفق، لأن الإنسان لا يستطيع أن يواصل رحلته إذا كان عدوه الأول هو ذاته.

إن النفس تشبه فرسا أصيلة؛ إن قسوت عليها بلا رحمة، كسرتها وفقدت القدرة على مواصلة الطريق. وإن أحسنت تهذيبها وترويضها، حملتك بثبات نحو أهدافك، مهما كانت المسافات طويلة.في زمن أصبح الناس فيه أسرى للمظاهر، تذكر أن القيمة الحقيقية لا تُرى بالعين، بل تُدرك بالبصيرة. وأن الإنسان الذي يعرف نفسه جيدا، لا تهزه نظرة متعالية، ولا تغريه كلمات الإطراء. فهو يدرك أن الكرامة ليست فيما يملك، بل فيما يكون.

زكريا_نمر

شاهد أيضاً

تكانت.. المندوب العام للتآزر يطلق البرنامج التنموي الخاص بولاية تكانت

أشرف معالي المندوب العام للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “التآزر”، السيد سيدي ولد مولاي الزين، اليوم …