لم تكن فكرة هذا المقال وليدة رفاهٍ فكري أو رغبة عابرة في الكتابة، بل نشأت بعد حضوري لعدة نشاطات وندوات تنظمها حركات حقوقية مناهضة للعنصرية، بحكم عملي الصحفي. كنت أذهب بفضول المهني الذي يريد أن يفهم، لكنني كنت أعود كل مرة بأسئلة أكثر من الأجوبة، وبحزن أعمق من كل الشعارات التي تُرفع. رأيت وجوهًا متعبة، غاضبة، ناقمة، تؤمن بأنها وُلدت لتكون ضحية، ورأيت في المقابل ساسة يعرفون جيدًا كيف يُدار الألم، وكيف تُستثمر الجراح، وكيف يتحول الإحساس بالمظلومية إلى وقود سياسي يحرّك الحشود.
شيئًا فشيئًا بدأت ألاحظ أن بعض الخطابات التي تُقدَّم بوصفها دفاعًا عن الكرامة الإنسانية، ليست سوى تجارة بالعواطف الجماعية، وأن كثيرًا ممن يتصدرون المشهد لا يملكون مشروعًا علميًا، ولا رؤية فكرية، ولا أثرًا حضاريًا، ولا إنجازًا معرفيًا يؤهلهم لقيادة مجتمع أو بناء وطن، فيلجؤون إلى أقصر الطرق: صناعة العدو، ثم تقديم أنفسهم كمنقذين.
ما أسهل أن تقنع إنسانًا مسحوقًا بأنه ضحية مؤامرة عرقية، وما أصعب أن تقنعه بأن مشكلته الحقيقية هي الفقر، والجهل، والفساد، وسوء التعليم، وانهيار العدالة، وغياب دولة المؤسسات. فالساسة الذين يتغذون على خطاب العنصرية لا يريدون للناس أن يفكروا، لأن التفكير يقتل الأسطورة التي يعيشون عليها.
إنهم يحتاجون دائمًا إلى جمهور غاضب، لا جمهور واعٍ. يحتاجون إلى آلاف السذج الذين يتحركون بالانفعال لا بالعقل، ويهتفون دون أن يسألوا: من المستفيد من كل هذا؟ ولماذا تزداد الكراهية بينما لا يتغير شيء في الواقع؟
أيُّ انتصارٍ هذا الذي يجعل المجتمع أكثر تمزقًا؟
وأيُّ عدالةٍ تلك التي تُبنى على زرع الأحقاد بين أبناء الوطن الواحد؟
وهل يمكن للكرامة أن تولد من رحم الكراهية؟
وهل يتحول الإنسان إلى حرٍّ حين يُقنع بأن كل من حوله عدو له؟
لقد تحولت بعض الحركات إلى مصانع لإنتاج الشعور الدائم بالمظلومية، حتى صار الإنسان يُربّى نفسيًا على أنه مُستهدف قبل أن يخوض الحياة أصلًا. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ لأن أخطر أنواع الاستعباد ليس استعباد الجسد، بل استعباد الوعي.
يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:
“من يحارب الوحوش عليه أن يحذر ألا يتحول هو نفسه إلى وحش.”
وهذا ما يحدث حين يتحول النضال من أجل الإنسان إلى نضال ضد الإنسان الآخر. فبعض الخطابات لا تعالج العنصرية، بل تعيد إنتاجها بصورة معكوسة، وتخلق أجيالًا ترى المجتمع من زاوية اللون والانتماء لا من زاوية الإنسانية والكفاءة.
لقد أصبح البعض يعيش بعقدة نقص دائمة، يشعر أنه مُحتقر حتى قبل أن يحتقره أحد، ومُهمَّش حتى قبل أن يُقصى. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يُدفع بعض السود دائمًا إلى الشعور بأنهم وحدهم الضحايا، مع أن الفقر يضرب الجميع، والتهميش يطال الجميع، والمعاناة لا تسأل عن لون أصحابها؟
هل العامل الأبيض البسيط يعيش ترفًا؟
هل أبناء الأحياء الفقيرة من مختلف الشرائح ينعمون بالامتيازات؟
هل البطالة تفرّق بين أسود وأبيض؟
وهل الفساد حين يسرق الوطن يسرق لونًا دون آخر؟
إن المأساة في مجتمعاتنا أوسع من أن تُختزل في العِرق. هناك شعب كامل يعيش القلق، والخوف، وانسداد الأفق. الجميع مثير للشفقة بطريقة ما، والجميع يحمل جراحه الخاصة، وليس هناك شريحة تحتكر الألم حتى تُنصَّب وصيةً على المعاناة الوطنية
المشكلة أن بعض الساسة لا يستطيعون الصعود إلا فوق ركام الكراهية. هم يدركون أن خطاب العقل بطيء، وأن خطاب الحقد سريع الاشتعال. لذلك يزرعون في النفوس فكرة أن الكرامة مسلوبة، وأن الهوية مُهانة، وأن المجتمع عدو متربص، فتتحرك الضمائر في عماء، لا لتبني وطنًا، بل لتُشعل داخله الحرائق.
إنهم لا يريدون مواطنين، بل أتباعًا. لا يريدون مجتمعًا متصالحًا، بل جماهير مذعورة تشعر دائمًا أنها في حرب وجود. وكلما هدأت النفوس أعادوا نفخ النار من جديد، لأن بقاءهم السياسي مرهون ببقاء الأزمة.
يقول المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في حديثه عن الجماهير:
“الجماهير لا تفكر، بل تنفعل.”
ولهذا يعتمد هؤلاء على إثارة الغرائز لا بناء الوعي. فحين يغيب العقل، يصبح الإنسان مستعدًا لأن يهدم وطنه بيديه وهو يظن أنه ينتصر لنفسه.
إن الكرامة الإنسانية ليست حكرًا على عرق، ولا ملكًا لشريحة، ولا شعارًا انتخابيًا يُرفع وقت الحاجة. الكرامة خيط رفيع يجمع البشر جميعًا، وإذا انقطع سقط الجميع في الهاوية نفسها.
لا أحد سينجو إذا احترق الوطن.
ولا أحد سيشعر بالأمان إذا تحولت الكراهية إلى ثقافة عامة.
ولا يمكن لأمة أن تبني مستقبلها وهي تُقسِّم أبناءها إلى ضحايا وجلادين على أساس اللون.
نحن لا نحتاج إلى ساسة يوقظون الأحقاد القديمة، بل إلى عقول تُعيد للناس إيمانهم ببعضهم البعض. نحتاج إلى خطاب يُعلّم الإنسان كيف يرى أخاه مواطنًا لا خصمًا، شريكًا لا تهديدًا.
فالإنسان الذي يُربّى على الكراهية، قد يصفق طويلًا، لكنه في النهاية سيكتشف أنه لم يكن سوى أداة في يد طامع بالسلطة.
وعندما تنتهي الخطب، وتخفت الهتافات، ويعود الجميع إلى بيوتهم المتعبة، سيبقى السؤال المؤلم معلقًا:
من الذي ربح حقًا من كل هذا الخراب؟
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل