هذه الأغراض و إن اتفقت في أسمائها مع مقدمات القصائد العمودية القديمة التي بكى اصحابها و استبكوا و وقفوا على الأطلال و خاطبوا الديار و شببوا و نسبوا و تغزلوا ، فإنها لدى الشاعر الحساني أغراض مستقلة قائمة بذاتها مقصودة و ليست مجرد مقدمة استعراضية هدفها أياك الممدوح يتنهول لين إشوف الشاعر عن الممدوح ادخل ” الجو ” يتخلص إلى مدحه فيكون ذلك حافزا للحظوة و مضاعفة العطاء .. و هو ما جعل المتنبي يعترض على هذا التكلف و التصنع :
إذا كان مدح فالنسيب المقدم
أكل أديب قال شعرا متيم ..
هذه الأغراض ف ” لغن ” مختلفة تماما في مسمياتها عن أسمائها في الشعر الفصيح ، مختلفة من حيث الباعث فهي مقصودة ناتجة عن تجربة شعورية صادقة .. و مختلفة في صميمها لأن ” لغن ” يجبد من حاسي الثقافة الحسانية و ليس مجرد محاكاة للشعر الجاهلي كما هو حال الشعر الموريتاني الفصيح الذي قال عنه النقاد إنه ليس ابن بئته .. !
و لأن الثقافة مفهوم شامل لكل ممارسات الإنسان و معتقداته و تجاربه و هواياته …فقد جاء ” لغن ” مباينا و مختلفا كل الاختلاف عن الشعر و جاءت أغراضه و إن حملت أسماء فصيحة مغايرة في الأساليب و في الأنماط لما هي عليه في الفصيح ..
و حتى لا أطيل في مسألة مفروض أن تكون بديهية لولا بعض نخبتنا اللي إجنو روصهم يكانهم إفرصو عن ” لغن ” ألا الشعر : نفس الأغراض و نفس الأساليب.. !؟
و لنضرب أمثلة لتوضيح الواضح :
الجاهلي يزجر الطير فيتشاءم بالغراب البارح و صوت البوم ، ثم يقف بعد العصر في عرصات الديار يناجي لوتد و لحموم .. :
نحن في ثقافتنا ( معتقداتنا ) أن الديرات امسكنه ( مكان أهل بلحمر : أهل بسم الله الرحمن الرحيم ) و أن ” لحموم ” الجديد يجولى ابعيد عنو ، فكيف يتصور أن يقف شاعر حساني اعل أعظم دار عاكب العصر ( امع لمس ) و يمسك ” احموم ” بيده و يناجيه و يسأل الديار كفعل من لم يذهل ..!
أما الغراب و صوت البوم ( كجيل ) فهو من دواعي الطرب و الاستئناس :
كجيل اللي ساكن لدي
يوكي زاد الل حسو حي
ؤ حس اطيورو لخرين اشوي
أشمذاك اتكيم لحساس ..!
الأغلب الأعم في ” اطلع النسيب ” الذي يمثل 60 % من مدونة لغن ما قبل الاستقلال ( بحساب عدد الطلع لا بحساب عدد التيفلواتن ) أن يظل ” لمغني ” بعيدا عن أعظم الدار ( في باطنه يتشعرن جلده من وحشة المكان ( الوحشة العربية ! ) و إحجب و إسمي ) لأنها ببساطة ” مسكونة ” ( سكنى الحسانية ! )،
لذلك و نظرا لصدقه مع مشاعره يوخظ احذ الدار و يتلفت اعليها و يلاحقه الوجد و لحزيم .. لكنه لا يقف عليها لا حقيقة و لا محاكاة و لا ينادي أصحابه للوقوف و الإسعاف بالدموع و لا يناجي ” لحموم ” لأنه مسكون من باب أحرى إلعاد اعل أعظم دار و امع لمس :
وقفت فيها أصيلالا أسائلها …!
( امنادم مسكون ..! )
هذا قد يراه البعض من نخبتنا ( أهل الفصيح ) ساذجا يغير هو الحك الذي يثبته استعراض مدونة لغن على مدى قرن و نصف تقريبا منذ أن ظهر غرض البكاء على الأطلال في لغن سنة 1810 تقريبا إلى سبعينات القرن العشرين ..!
مدونة لغن هذه التي تربو على ألف طلعه ( باختيار 20 طلعه فقط ل 50 امغني فقط ) لا يمكن أن تجد بينها نقاط تلاقي في الأنماط و لا في الأساليب مع الشعر الفصيح رغم استعمال مصطلحات ” النسيب ” و ” البكاء .. ” و الغزل لكنها مختلفة تماما في الدلالة كما نستخدم الكثير من المفردات الفصيحة في معاني بعيدة كل البعد عن معانيها الأصلية:
مثل :
عاد : بمعنى صار
كاس : بمعنى ذهب إلى
إلى : بمعنى إذا …
هناك استثناءان أو ثلاثة ( اثلت اطلع ) جعل منها بعض نخبتنا قاعدة ..!
هناك طلعه وحيدة في نمطها و كأنها نسجت على منوال :
فتوضح فالمقرات لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوب و شمأل
لكن السبب هو أن صاحب الطلعه شاعر فصيح هو ول الطلبه الذي قال عنه الولي الرباني لمرابط ول متالي إنه عربي أخره الله ، فليس غريبا أن يقف على الأطلال في ” لغن ” كما يقف عليها في الشعر ..
الطلعه هي :
كان اذريع لتوين ازوين
ؤ بل اللهو ؤ لاهو حافي
و اعل عاد اذريع لتوين
ما يلعب يكون السافي
راعي يالدلال الديار
مبعدهم عادو من لعمار
هاذي دار الونست لبصار
ابلدها مستدرس خاف
اعليه الساف كل انهار
يلعب مستكبل و امكاف
الطلعه الوحيدة التي تشبه إلى حد ما بكاء الشعر على الطلل في جانب واحد و هو ذكر الرياح التي طمست الرسوم ، لكنه لم يخاطب الدار و لم يقف عليها و لم يسائل ” لحموم ” ؤ لا لوتد ؤ لا ميلغ مكعور ..!
هناك طلعة محمد ول احمد يوره :
أش مشان واش كعدن
ءان و انت هون اوحدن
يالعكل احذ دار افمدنه
كبلت ساحل واد احنين
شين كان اكعدن ضعن
ؤ عنها كان امنين شين
ما فتن لين احن الاثنين
فالدار ابكين و اشكين
و اتمثنين فالدار إلين
من حق الدار اتنجين
تتم روايتها على :
احذ دار اف مدنه : و هذه لا إشكال فيها لأن صاحبها لم يقف مباشرة على عظم الدار ، و هي التي حفظت عن ول سيدابراهيم ..
و تتم روايتها :
اعل دار افمدنه : و هي أن صحت استثناء من 80 طلعه في ديوان امحمد ليس فيها ذكر الجلوس اعل دار حتى يستشفي من البكاء مخاطبا ” العكل ” مخاطبة الصاحب ..
هذا المبحث كان لمحاولة الإجابة على التساؤل الأول الذي طرحته المقدمة و هو :
هل بكي الحسانية كيفت بكي العربية و قد أخذ مني الكثير من الوقت المتاح ..
فيما بقي من الوقت سأحاول الإجابة على التساؤل الثاني :
هل الغزل و النسيب و البكاء على الاطلال ثلاثة في واحد أم واحد في ثلاثة ؟ ..
هنا يبدأ المحور الثاني من الإثارة ..
تابع الإثارة ( المحور الثاني )
هذا المبحث كان لمحاولة الإجابة على التساؤل الأول الذي طرحته المقدمة و هو :
هل بكي الحسانية كيفت بكي العربية و قد أخذ مني الكثير من الوقت المتاح ..
فيما بقي من الوقت سأحاول الإجابة على التساؤل الثاني :
هل الغزل و النسيب و البكاء على الاطلال ثلاثة في واحد أم واحد في ثلاثة ؟ ..
و حتى لا أطيل في النظري سأتناول ثلاث نصوص للتدليل على الفرق بينها أن وجد ..
النصوص الثلاثة تتقارب حتى في مفرداتها و في قافيتها و رويها ( التزامها الخاء الساكنه قبل حرف الروي : اللام ) كتبت عن الطلع مرة ” أنهم ” بينهم دم ؤ لاهم امنات عم يتجابرو فاثلاثه ؤ يتذاهبو فاثلاثة ؤ يتشاوفو فاثلاثه :
يتجابرو فاثلاثة :
– التزام الخاء الساكنة قبل حرف الروي ( اللام )
– بروز الأماكن كأبطال
– البناء الفني : أن النتيجة دائما في المقطع الأخير ( التافلويت الأخيرة ) :
من لخله
ما يخل
أخل
يتذاهبو فاثلاثه :
– أصحاب الطلع
– الأماكن
الأغراض
يتشاوفو فاثلاثه :
فعل ” اخل ” هو المفتاح :
– مسنود للشاعر في الأولى
– مسنود للأماكن في الثانية
– مسنود للخلق في الثالثة
الطلعه الأولى :
من شوفت وان مارك خام
النخله بالسيف افلغمام
ذو الايام ألا خظت أيام
من شوف النخله ما نخل
غير أثري لو شفت ابهنضام
امع شوف النخله نخل
ذاك الوكر العزو ظنيت
الها من شوري ما يخل
ؤ جايبها من جيهت بليت
ؤ لاهو جايبها من لخله
الطلعه الثانيه :
أظهر شنكيطي كد البير
مظكور أخلاه ؤ فيها خير
و إكد أمن الحيه و الجير
يخل و إكد أمن النخله
يخل و أولاد آدم يغير
اجميع اللاحك من لخله
ما يخل بعد أمن اديرات
سلمه فانتير ؤ فالنخله
واوتوات ؤ سابك ما فات
اخل من هاذو ما يخل
الطلعه الثالثة :
اعرفت اليوم ان المصير
الفنا من عدل البصير
اللي جيت امخوشم لعصير
انتينو و اكصير النخل
و للي شفت انتينو و اكصير
النخله من لقلال اخل
وان نعرف لغلال ازمان
انتينو منهم ما يخل
و اكصير النخله منهم كان
ما يخل غير الخلق اخل
الطلعه الأولى في غرض النسيب في أحد أشكاله الأكثر طروقا خاصة في أدب امحمد لأحمد يوره و ول آدبه : ذكر أوكار ( اماضع : ج موضع ) تتفاوت في ” العزه ” ( الحب ) تبعا لتعلق الشاعر و ميوله إلى أحد المواضع ( صاحبته ) أكثر من الأخرى .. مثل اطلع : تمبغره و اودش … و اطلع ول آدبه : مثل :
طلعت : عند انخيل امحيميد …: عند ما يقول في الكاف :
ؤ ذ ما فيه الوكر إحياك إيل ذاك افكايع …( افكايع الوكر : كناية عن غيظ صاحبته )
طلعة خام النخله كما أطلقت عليها الدكتورة باته البراء مهما كانت قراءتها لها فهي طلعه من النسيب لغياب ذكر من أي نوع لصواحب الشاعر ، و لولا قرينة الغزل ( ذاك الوكر العزة ظنيت ..) لكان أقرب إلى أغراض التأمل و الحكمة ..!
الطلعه الثانية : ( طلعت ول حبت )
أيضا طلعة من النسيب ( طارح ايدو اعل الغزل ) لأن ذكر اسم المحبوبة ” سلمى ” جاء عرضا ( ادويرات سلمه : سلمه مضاف إليه ما قبله مجرور : معناها ما مسنود لو دور مباشر ) في غابة كثيفة من الأماكن( لماضع : 5 مواضع ) و كأن الشاعر طاح منو ذاك الاسم ماهو ابغرظو .. و بالتالي لم تخرج الطلعه عن غرض النسيب حتى مع ذكر اسم المحبوبة – حسب رأيي – و لا رأي لي ..
الطلعه الثالثة : مختلف في قائلها و لا أظنه السعيد ول عبد الجليل و إن كنت أجزم أن قائلها من لغلال أو من تاشدبيت :
الطلعه لا علاقة لها بالنسيب و إنما غرضها التأمل في حال الدنيا و تقلبها بأهلها و هو غرض قائم بذاته في ” لغن ” يلتبس كثيرا مع غرض النسيب ..
غرض التأمل في حال الدنيا كثير في ” لغن ” : و منه الطلعة الشهيرة :
ذي دار ابعيربات
أخلات من الحيات …
و هناك من يسمي هاذ النوع البكاء على الأطلال، و هناك غرض ” التوحيد ” و كلها أسماء متداخلة تحتاج إلى تمحيص و وضع تعريفات دقيقة تتمايز من خلالها تلك الأغراض ..
تعقيب الگيمارة:
تعقيبا على الإثارة التي حاولت الإجابة على تساؤلين ملحين نظرا لأنهما استأثرا بنصيب الأسد في كتابات نخبتنا عن ” لغن ” و هما :
هل بكاء ” لغن ” يشبه بكاء الشعر على الأطلال ؟
و هل الأغراض الثلاثة : الغزل و النسيب و البكاء على الأطلال ثلاثة في واحد أم واحد في ثلاثة ؟
استدرك الداه شيخاتي أنه كان يود لو خلص البحث إلى استنتاجات مختصرة تمكن من لا يحبذ قراءة المقالات المطولة من الحصول على الإجابة دون عناء القراءة الطويلة .. و أردف أنه كان يود لو تم الحديث بشكل أوسع عن أشكال النسيب التي أشار إليها البحث عرضا مع ضرب أمثلة على كل نوع ، منبها أن ما تطرقت إليه التسجيلات من الإشارة إلى الخماسية: الحدث و الشاعر و المحبوبة و الزمان و المكان يحتاج إلى شرح و إيضاح ، قائلا إن عبارة : إجنو روصهم قد تكون مجحفة في حق الذين تجشموا عناء الكتابة عن ” لغن ” و إن كانوا فعلا امنين روصهم عن الفروق التاسعة بين الثقافتين العربية و الحسانية و هو – يضيف – ملمح غاية في الأهمية و قليل من ينتبه إليه ، معترفا أن التعبير ( إجنو روصهم ) ردة فعل هدفها التنبيه بالوخز إلى ضرورة أن يحترم الكتاب عقول الناس و يتركوا عنهم ” تروام ” لغن اعل الشعر بالتفرصي حتى أن ” التروام ” ألجأهم إلى الاستشهاد ب اطلع متأخرين جدا لشباب متأثرين بالفصيح و حتى أن بعض نخبتنا يكتبون ” طلعه ” ليحكموا من خلالها على التطابق بين ” لغن ” و الشعر ..!
مشددا على أن المقارنة بين الشعر و لغن يجب أن تختصر على ” لغن ” ما قبل الاستقلال أي قبل تأثره بما يسمونه الثقافة العالمة .. و استشهد بظهور المقدمة الغزلية في ” لغن ” كنوع من ” لحمار ” المتعمد للشعر الفصيح ..
خلال مداخلة موسى سيدي ابياه أكد على أن النبرة المتشددة التي تحاول أن ترفض أي نوع من التقارب بين الشعر و لغن ليست صائبة ( ما هي صايبه : معناها مصيوب عنها ) ، و أن الصواب هو وجود اتصال و انفصال بين لغن و الشعر في علاقة أشبه بعلاقة الظل بصاحبه أو ” لكليشه ” بالصورة .. متسائلا إنكاريا : كيف لا يتشابهان و قد أرضعتهما العربية بلبانها ( أسحم داج عود لا نتفرق ) : نفس الأغراض ، البحور ( لبتوته ) ، القافية ، الروي ، نفس الأسماء و حتى الصور من استعارة و كناية و طباق … و خلص إلى أن من يريد أن يجعل الحسانية هي العربية بشحمها و لحمها و لغن هو الشعر سيصطدم بواقع يرفض التماهي المطلق و العكس .. فلا بد من القبول بحل وسط بين الديماغوجيين من الطرفين و هو أن دعاة التماهي لا يمكن أن يقفزوا على الواقع و يرفضوا أن هناك تمايزا بينا و دعاة القطيعة لا يمكن أن يتجاوزوا الحكم الذاتي إلى الاستقلال التام لأن ما يفرقهما كثير و ما يجمعهما كثير أيضا …
و عن السؤال الثاني ازيان عندو التعبير ب ثلاثة في واحد و واحد في ثلاثة واصفا إياه بأنه تعبير جميل و دقيق لكنه مخاتل ! شارحا معنى مخاتل : هو لعب بالكلمات حيث يختلف المعنى بقلب الورقة : 1 في 3 : تعني أن الأغراض الثلاثة تتفرع من أصل واحد ليأخذ كل مجراه بالتوازي مع إخوته
3 في 1 : تعني أن الأغراض الثلاثة تلتقي في مصب واحد ..!؟
في مداخلة الشيخ أبابه قال إن الموضوع واسع و عميق ، لذلك فإن وصف الحلقة بأنها مجرد إثارة اتسلك صاحبها من تبعات التقصير لأنه لا يكون مطالبا ببحث أكاديمي مطروح اعليه الجهد ( فهو هروب ذكي من محاكمة الورقة ) ..مستدركا على مصطلح أغراض التبيظين التي يرى أنها ” كرشه اكبيره ” تشمل بقية الأغراض موضحا أن مصطلح ” التحركي ” لا يعني فقط شكر الأشخاص و إنما هو ثقافة و سلوك و له أبياته و كذلك الستكوي لا يقتصر على التهيدين و مدح القبائل ..
و مستدركا أيضا على أن ذكر الرياح في لغن موجود قديما في كثير من الطلع مستشهدا ب اطلع ول المبارك ول يمين :
سبحانك يالحي المجيد … و التي فيها : ؤ عاد بلرياح اتبطو لرياح
و أن طلعت أربان : كالحمد اللي منزل لعلاب .. يمكن حملها على غرض النسيب بالإيحاءات التي تثيرها أسئلة من قبيل :
لما ذا يحمد على التحول عن منزل لعلاب ؟
و الخيل الكانت معذورة : مركوبه شور ءاش ؟ …
ذاكرا أن من أشكال التقارب بين الشعر و لغن ظهور المقدمة الغزلية في لغن و أنه سمع منها نماذج عند الأديب حسني ول شاش و الأديب البهجة …
هناك إثارات و أسئلة و نقاش من الاخوة ” الكيمارة ” يؤكد أن الموضوع يحتاج إلى حلقات و حلقات و أن ما قدمته الحلقة التمهيدية هو مجرد إثارة كما وعدت …
عن الثقافة بقلم بودربال
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل