الصراع السياسي في موريتانيا بين مجموعة الفلان ومجموعة البيظان: قراءة في أنثروبولوجيا السلطة وصراع الامتيازات موقع الهضاب بقلم الشيخ ماء العينين اكليب

 

يُخطئ كثير من الفاعلين السياسيين في موريتانيا حين يتعاملون مع البنية المجتمعية بوصفها خزّانًا انتخابيًّا يمكن تعبئته بسهولة عبر استدعاء العصبية العرقية أو إعادة فتح جراح الذاكرة الجمعية. هذا الخطأ ليس جديدًا في تاريخ المنطقة، لكنه خطأ يتكرّر اليوم بطرائق أكثر دهاءً، يُسهم فيها النظام أحيانًا بمنطق “فرِّق تَسُد”، وأحيانًا أخرى باندفاع نخب ضيقة الأفق داخل بعض الشرائح التي ترى في هذا الخطاب وسيلة لتعويض فقدانٍ تاريخيّ لامتيازات كانت تتمتع بها، أو لتحقيق مكاسب لم تكن متاحة لها سابقًا.

1. جذور الانقسام: من الامتياز الاستعماري إلى الدولة الوطنية

يتجلّى الصراع السياسي بين مجموعات مثل الفلان والبيظان في سياق أعمق من اللحظة الراهنة. فخلال الحقبة الاستعمارية، مُنحت بعض الشرائح امتيازات إدارية وتعليمية مكّنتها من الاقتراب أكثر من دوائر القرار، بينما بقيت شرائح أخرى خارج بنيات السلطة، في هوامش اقتصادية واجتماعية.

عندما تشكّلت الدولة الموريتانية الحديثة في السبعينيات، ظهرت نخب جديدة تبحث عن موضع لها داخل منظومة الحكم، لكن الدولة ورثت — بحكم ضعف مؤسساتها — آليات استعمارية في الإنتاج السياسي، مما جعل التنافس على الموارد يتم عبر الهويات الأولية (القبيلة/العرق/اللغة)، وليس عبر البرامج أو المشاريع.

2. من غياب التوازن إلى شره المكاسب

بات من الواضح أن بعض الجماعات التي عاشت تاريخيًا في موقع سلطة أو قرب منها، باتت تخشى فقدان ما تعتبره “مكتسبات”، بينما سعت جماعات أخرى — ومنها مجموعات داخل الفلان — إلى تحصيل اعتراف سياسي أكبر، فصار الطلب على المكاسب أشدّ شرهًا، وسط دولة لم تنجح في خلق مؤسسات قادرة على توزيع الموارد بشكل عادل يخفّف من حدة الاستقطاب.

هذه الديناميكية تجعل الخطاب الهوياتي سلاحًا فعالًا في يد السياسيّين، لكنه سلاح قصير النظر، يزرع الانقسام بدل التماسك.

3. الدولة والنخب: بين المكر السياسي وغياب المشروع الوطني

يتحوّل استدعاء النظام للانقسامات الاجتماعية أحيانًا إلى أداة لإدارة الحكم، لا لبناء الدولة. فبدلًا من هندسة مشروع وطني جامع، تُدار الخلافات كصمّام أمان، كي يتشتت الغضب الشعبي ويتحوّل إلى تنافس داخلي بين المكوّنات، وليس إلى مساءلة السلطة ذاتها.

هذا النوع من “المكر السياسي” لم يكن مقتصرًا على موريتانيا؛ فقد عرفته كثير من الدول العربية والإفريقية، وهو ما أدى إلى هشاشة دولها الحديثة.

4. تشابه التجارب: حين استُدعي الدين لصناعة صراعات لا تنتهي

ما حدث في عدد من الدول الإسلامية في الثمانينيات مثال صارخ: حين استُخدم الدين أداة في صراع دول عظمى ضد الاتحاد السوفيتي، انجرفت المجتمعات إلى حروب لم تستطع النهوض منها لاحقًا.

في موريتانيا، لا تختلف الآلية كثيرًا، وإن اختلفت الأدوات. فبدل الدين، تُستدعى الهويات العرقية لتعبئة الشارع وتحويله إلى ساحة تنافس بين الفلان والبيظان وغيرهما. لكن النتيجة واحدة: صراعات سياسية تعجز الدولة عن تجاوزها، وأثمان اجتماعية واقتصادية باهظة.

5. نحو قراءة مستقبلية: ما الذي يجب فعله؟

إذا أرادت موريتانيا الخروج من دائرة الاستقطاب، فلا بد من:

1. إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة لا الانتماءات الأولية.

2. توزيع عادل للموارد والفرص يقلّل من دوافع الصراع.

3. مصالحات تاريخية شفافة تُعيد الثقة بين المكوّنات.

4. إعادة تعريف دور الدولة بوصفها حكمًا عادلًا لا لاعبًا في لعبة الانقسامات.

إن الذين يستدعون العنصرية اليوم لتحقيق مكاسب سياسية — من أي مجموعة كانوا — عليهم أن يدركوا أنهم يفتحون بابًا يصعب إغلاقه. فالصراع السياسي حين يتغذّى على الهويات يصبح صراعًا بلا سقف، ويحوّل الدولة إلى مسرح تناحر دائم.

موريتانيا بحاجة إلى دولة أمة، لا دولة مكوّنات. بحاجة إلى مشروع وطني يعترف بالجميع ويحمي الجميع، قبل أن تأخذ هشاشة البنية الاجتماعية البلاد نحو منعطف لا يمكن الرجوع منه.

شاهد أيضاً

موريتانيا : الوزراء يستأنفون أعمالهم ابتداء من الأربعاء القادمفى ظل موجة عارمة من التخبط وفقدان البوصلة

يستأنف جميع أعضاء الحكومة، اعتبارا من يوم الأربعاء 27 أغسطس 2025، عملهم المنتظم بعد انتهاء …