التعود على الموت… بلادة

نعتاد مشاهد القتل والدمار حتى تفقد قدرتها على إثارة الفزع في أرواحنا، فتغدو مجرد صور عابرة، كما لو كانت مقاطع من فيلم هوليوودي محبوك بعناية. تتلاشى تلك الرعشة الأولى التي اجتاحت قلوبنا عند رؤية الدماء تُسفك والبيوت تنهار، ليحل محلها بلادة قاتلة، كأن أعيننا باتت شاشة تمر عبرها المشاهد دون أن تترك أثرًا يُذكر. وما كان يومًا يثير فينا الغضب والسخط، أصبح جزءًا من المشهد العام، لا يختلف كثيرًا عن زخات المطر في يوم شتوي أو ازدحام الطرق في ساعة الذروة.

ومع الوقت، يتبلد الإحساس، يُنهك من كثرة الصدمات، حتى يصل إلى مرحلة يصبح فيها بحاجة إلى جرعة أكبر من العنف ليستجيب. نتابع الأخبار لا بحثًا عن الحقيقة، بل انتظارًا لمشهد أكثر دموية، أكثر درامية، لأن المشاهد السابقة فقدت تأثيرها. ننتظر تصعيدًا جديدًا، إثارة أقوى، كأننا أمام مسلسل طويل، فإن لم يأتِ التغيير، غزانا الملل، على الرغم من أن كل لحظة فيه مشبعة بالألم والمأساة.

ثم ماذا؟ تستمر الحياة كعادتها، بنفس الرتابة، نفس الخواء. ندور في حلقة مُفرغة من السهرات الطويلة والأحاديث المتكررة، تتغير نكهات الأرجيلة، تتبدل الأفلام، لكن العناوين تظل كما هي، والأرقام لا تكفّ عن الصعود. لا نكاد نستيقظ من سباتنا حتى نهرع إلى الأخبار، نتابع الإحصائيات ببرود، كأنها نتائج بورصة لا جثث تُرمى في العراء. كم بلغ عدد الضحايا اليوم؟ كم مدينة اجتاحها الدمار؟ أين انفجرت القذائف؟ ثم بعد تحديث تلك البيانات اليومية، نسحب نفسًا عميقًا من أراجيلنا، نحبس الهواء في صدورنا للحظات، ثم نطلقه في زفير طويل محمّل بالحسرة، وكأننا بذلك نشارك العالم ألمه، دون أن نحرك ساكنًا.

ثم نعود إلى دوامة العيش، نلاحق لقمة الخبز، ننشغل بأسئلة تافهة مقارنة بكل هذا الدمار: هل فرغت أنبوبة الغاز؟ أين سنقضي سهرة الليلة؟ من سيكون حاضرًا؟ نواصل حياتنا كأن شيئًا لم يكن، وحين يوشك اليوم على الرحيل، نتأكد من أن نشرة الأخبار الأخيرة لم تفُتنا، لا لشيء سوى لنُحدّث قوائم القتل والخراب… ثم ماذا؟

#زكريا_نمر

شاهد أيضاً

بيان من اللجنة الوطنية لحقوق الانسان

في إطار مهامها المتعلقة برصد وحماية الحقوق الأساسية، قامت بعثة من اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان …