أحد أكبر الأكاذيب التي خلفها الاستقلال في إفريقيا أن خروج المستعمر يعني تحرر الشعوب. فقد غادر الأوروبيون كثيرا من العواصم الإفريقية، لكن بعض النخب التي تسلمت السلطة لم تنشغل ببناء دولة تحترم الإنسان، بل وجدت في الاستقلال فرصة لوراثة امتيازات المستعمر، والاستحواذ على مؤسسات الدولة وثرواتها. تغيرت الوجوه والأعلام والخطابات، لكن المواطن ظل يدفع ثمن السلطة، مرة بالحرب، ومرة بالفقر، ومرة بحرمانه من أبسط حقوقه. كأن الاستعمار لم يغادر تماما، بل وجد من يتولى مهمته بلسان وطني.المشكلة في إفريقيا ليست أن الأرض فقيرة، ولا أن شعوبها عاجزة عن الإنتاج، وإنما أن هناك دولا تمتلك ثروات هائلة، بينما يعيش مواطنوها في ظروف لا تعكس حجم ما تملكه بلدانهم. النفط والذهب والماس والكوبالت واليورانيوم تخرج من باطن الأرض، لكن عائداتها لا تصل بالقدر العادل إلى المدارس والمستشفيات والطرق وفرص العمل. تتكدس الثروة في أيدي قلة، وتبقى الأغلبية منشغلة بتدبير احتياجاتها اليومية. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات عن السيادة والتنمية، يظل السؤال قائما: ما قيمة الاستقلال إذا لم يشعر المواطن بأن ثروات بلاده ملك له، وأن الدولة وجدت لخدمته لا لخدمة الحاكم وحاشيته؟.لا يمكن فهم هذه المأساة من دون مساءلة النخب السياسية التي تعاملت مع السلطة باعتبارها امتيازا شخصيا، لا مسؤولية عامة. فبعضها لم يكتف بإضعاف مؤسسات الدولة، بل حولها إلى أدوات لحماية المصالح الخاصة، وفتح أبواب الاقتصاد أمام شبكات الفساد، وترك الموارد الوطنية تتسرب إلى الخارج من دون أن تبني في الداخل قاعدة إنتاجية قادرة على تحسين حياة الناس. وهكذا أصبحت شعارات التحرر والسيادة غطاء لواقع لا يختلف كثيرا عن جوهر الاستغلال الذي ثارت الشعوب ضده.لكن نقد هذه النخب لا يعني إعفاء بقية العوامل من المسؤولية، ولا اختزال تجارب القارة كلها في صورة واحدة. فإفريقيا ليست بلدا واحدا، وتجارب دولها مختلفة، غير أن السؤال الذي يستحق المواجهة هو: لماذا لم تنجح بعض الدول، بعد عقود من الاستقلال، في تحويل مواردها إلى مؤسسات قوية واقتصادات منتجة ومجتمعات أكثر عدلا؟ ومن المستفيد من بقاء المواطن فقيرا، والتعليم ضعيفا، والوعي السياسي محاصرا بالصراعات القبلية والولاءات الشخصية؟.إن الاستقلال الذي لا يغير علاقة السلطة بالمواطن يظل استقلالا ناقصا، مهما ارتفعت الأعلام وتكررت الخطب الوطنية. فالتحرر الحقيقي لا يقاس برحيل المستعمر وحده، بل بقدرة الشعوب على استعادة حقها في الثروة والقرار والمحاسبة. وما لم تدرك النخب الإفريقية أن الدولة ليست ملكا للحاكم، وأن موارد البلاد ليست غنيمة لمن يصل إلى السلطة، فستظل بعض الشعوب تدفع ثمن استقلالها مرتين: مرة في معركة التحرر، ومرة في معركة استرداد أوطانها من الذين ورثوا سلطة المستعمر ولم يتخلوا عن عقليته.
ويبدأ السؤال الأكثر إزعاجا: إذا كان الاستعمار قد نهب الثروات، فمن المسؤول اليوم عن إدارة ما بقي منها؟ وإذا كانت القوى الاستعمارية قد رسمت حدودا مصطنعة وأقامت اقتصادات تخدم مصالحها، فمن المسؤول عن القرارات التي اتخذتها الحكومات الوطنية بعد الاستقلال؟ لا يمكن محو أثر الاستعمار من التاريخ الإفريقي، ولا يمكن تجاهل تدخل القوى الخارجية في اقتصادات القارة وصراعاتها، لكن لا يجوز أيضا تحويل الماضي إلى عذر أبدي يعفي الحكام من مسؤولية الحاضر.لقد نالت دول إفريقية كثيرة استقلالها السياسي بعد صراعات طويلة وتضحيات جسيمة. وكان الأمل أن يتحول الاستقلال إلى تعليم مجاني جيد، ورعاية صحية، وصناعة وطنية، وزراعة منتجة، ومؤسسات تحمي المواطن من التعسف. لكن بعض التجارب شهدت انتقالا للسلطة من الإدارة الاستعمارية إلى نخب محلية لم تنجح في تفكيك أنماط التبعية والاستغلال، بل أعادت إنتاج بعضها بأسماء وشعارات جديدة. لم يعد المواطن خاضعا لمسؤول أوروبي في كل مكان، لكنه وجد نفسه أحيانا أمام مسؤول محلي يتعامل مع الدولة باعتبارها امتيازا شخصيا، ومع المال العام باعتباره موردا متاحا للمقربين، ومع المجتمع باعتباره قاعدة للتعبئة لا شريكا في القرار.إن مأساة إفريقيا ليست أن المستعمر استغلها فحسب، بل أن بعض النخب التي ورثت الدولة لم تجعل إنهاء الاستغلال أولوية حقيقية، وأن بعض شبكات المصالح تعلمت كيف تستفيد من ضعف المؤسسات وتستمر في الحكم باسم التحرير نفسه.
في بلدان غنية بالموارد الطبيعية، يصبح التناقض صارخا حين تُستخرج الثروات من باطن الأرض بينما يعجز المواطن عن الحصول على مياه نظيفة أو علاج مناسب أو تعليم جيد. وحين تُصدَّر المواد الخام، ثم تُستورد المنتجات المصنعة بأسعار مرتفعة، دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توفير الوظائف وزيادة القيمة المضافة، يبقى الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق الخارجية. ليست المشكلة في تصدير الموارد بحد ذاته، بل في غياب السياسات التي تضمن إدارة عائداتها بشفافية، وتنويع مصادر الدخل، والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والإنتاج.ولا يمكن تفسير هذه الأوضاع بعامل واحد. فالتفاوت بين الدول الإفريقية كبير، وتجاربها السياسية والاقتصادية مختلفة، كما أن الحروب والديون وضعف البنية التحتية وتقلب أسعار السلع والتدخلات الخارجية تفرض قيودا حقيقية. لكن هذه التعقيدات تجعل بناء المؤسسات أكثر ضرورة، لا أقل. فكلما ازدادت المخاطر، ازدادت الحاجة إلى رقابة على الإنفاق، وقضاء مستقل، وعقود واضحة، وسياسات اقتصادية قابلة للتقييم والمحاسبة.
إن الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية يظهر حين تتحول الدولة إلى شبكة من المصالح. يصل المسؤول إلى منصبه، فتُفتح أمامه أبواب التعيينات والعقود والأراضي والموارد، ثم تصبح الوظيفة العامة وسيلة لمكافأة الولاء السياسي أو العائلي أو القبلي. وفي المقابل، يُطلب من المواطن أن يصبر، وأن يتفهم الظروف، وأن يضحي من أجل المستقبل. لكن هذا المستقبل يظل مؤجلا، فيما تتجدد امتيازات أصحاب السلطة في الحاضر.وهكذا يتحول الفساد من سلوك فردي إلى مشكلة مؤسسية. فالأموال التي تُهدر لا تختفي من الحسابات فقط؛ إنها تتحول إلى مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لا تعمل بكفاءة، وطرق لم تصل إلى القرى، وفرص عمل لم تُخلق. وعندما يُحرم المجتمع من معرفة كيفية إدارة ثرواته، يصبح من الصعب تحديد المسؤولية، وتتحول السياسة إلى صراع على الروايات بدلا من أن تكون نقاشا حول النتائج. وتزداد الخطورة عندما تتداخل هذه المصالح مع النزاعات المسلحة. ففي بعض السياقات الإفريقية، تتشابك الصراعات السياسية والأمنية مع المنافسة على الأراضي والموارد وطرق التجارة، وقد تنشأ شبكات تستفيد من استمرار الحرب أو من غياب الرقابة. وليس صحيحا أن كل حرب إفريقية تُختزل في صراع على المعادن، أو أن كل نزاع تديره جهة خارجية، لكن من الضروري فحص المصالح الاقتصادية والسياسية التي قد تغذي بعض النزاعات، إلى جانب المظالم المحلية والانقسامات التاريخية والعوامل الأمنية.
في هذه الحروب، يدفع المواطن الثمن الأكبر. يفقد المزارع أرضه، ويترك الطفل مدرسته، ويغادر الطبيب مستشفاه، وتتحول العائلات إلى نازحين ولاجئين. أما من يمتلكون المال والنفوذ فقد تتوافر لبعضهم وسائل أفضل لحماية أنفسهم من النتائج المباشرة للصراع. وعندما تنتهي المواجهات باتفاقات لتقاسم السلطة دون معالجة جذور الأزمة أو بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، قد تتغير الوجوه بينما تستمر الأسباب التي قادت إلى الحرب.و تبرز خطورة استخدام القبيلة أو الإثنية أو الجهوية في المنافسة السياسية. فالتنوع الاجتماعي في إفريقيا ليس عيبا، ولا يجوز تحميل المجتمعات المتنوعة مسؤولية إخفاق الحكومات. المشكلة تبدأ عندما يحول السياسيون الانتماءات إلى أدوات للحشد والحماية من المساءلة، فيُبرَّر فساد القريب ويُدان فساد الخصم، وتُوزع المناصب على أساس الولاء بدلا من الكفاءة. عندها يصبح المواطن تابعا لجماعته السياسية أو الاجتماعية، بدلا من أن يكون صاحب حق متساو أمام القانون.ولا يقل خطرا عن ذلك أن تستخدم بعض السلطات إرث التحرير لتقييد النقد. فالتضحيات التي قدمتها حركات الاستقلال تستحق الاحترام، لكنها لا تمنح أي حكومة حقا أبديا في الحكم، ولا تجعل الاعتراض على أدائها خيانة للوطن. إن الاستقلال ملك للمجتمع كله، وليس شهادة ملكية تحتفظ بها نخبة سياسية. ومن حق المواطن الإفريقي أن يسأل حكومته عن الإيرادات العامة، والديون، وعقود التعدين، وجودة التعليم، وحرية الصحافة، ومستقبل الشباب، دون أن يُتهم بالتآمر لمجرد أنه يطالب بإجابات.كما أن مسؤولية النخب المحلية لا تعفي القوى الأجنبية والشركات العابرة للحدود من المساءلة. فالتنافس الدولي على الموارد والأسواق والنفوذ قد يؤدي إلى صفقات غير متكافئة، وقد تستفيد جهات خارجية من ضعف الرقابة أو الانقسامات الداخلية. لكن مواجهة هذه الممارسات تتطلب حكومات قادرة على التفاوض، ومؤسسات تراجع العقود، ومعلومات متاحة للجمهور، وقوانين تمنع تضارب المصالح. فالشعارات المعادية للاستعمار لا تكفي إذا كانت السياسات الفعلية تسمح باستمرار صفقات تضر بالمصلحة العامة.
إن مستقبل إفريقيا لا يتوقف على استبدال حاكم بآخر، أو حزب بآخر، أو رفع شعار جديد مكان شعار قديم. إنه يتوقف على قدرة المجتمعات على بناء دول لا تعتمد على نزاهة شخص واحد، بل على قواعد ومؤسسات تحد من تركّز السلطة، وتمنع الاستحواذ على المال العام، وتضمن تداول المسؤولية السياسية بوسائل قانونية وسلمية. كما يتطلب الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والزراعة والصناعة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي حتى لا تبقى كل دولة معزولة أمام تقلبات الأسواق وموازين القوة الدولية.لقد تحررت إفريقيا من الاستعمار في محطات تاريخية حاسمة، لكن التحرر السياسي لا يعني تلقائيا التحرر الاقتصادي أو المؤسسي. وبين الاستقلال المعلن والاستقلال الذي يعيشه المواطن مسافة لا يمكن اختصارها في الاحتفالات والخطب. فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الثروة العامة تتحول إلى خدمات وفرص، وما إذا كان القانون يسري على الحاكم والمحكوم، وما إذا كان المواطن يستطيع تغيير ممثليه ومحاسبتهم دون خوف.إن الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية لا يحتاج إلى علم أجنبي فوق القصر؛ يكفيه أن يحتكر القرار، ويستنزف الموارد، ويقمع النقد، ويطلب من الناس أن يعتبروا الفقر تضحية وطنية. وهو لا يُهزم بمجرد كشف تناقضاته، بل ببناء مؤسسات لا تسمح له بإعادة إنتاج نفسه.
فإفريقيا ليست فقيرة بأبنائها، ولا محكوم عليها بالبقاء في دائرة الأزمات، وليست بحاجة إلى وصاية خارجية جديدة كي تنهض. إنها بحاجة إلى أن تكون ثرواتها في خدمة مجتمعاتها، وأن تتحول الدولة من غنيمة تتقاسمها النخب إلى مؤسسة يملك المواطنون حقوقهم داخلها.لقد رفع الأفارقة أعلام الاستقلال بعد تضحيات عظيمة، لكن السؤال الذي يظل قائما هو: هل أصبحت هذه الأعلام رمزا لسيادة الشعوب، أم غطاء لسلطة بعض النخب عليها؟ ما لم يجد المواطن إجابة ملموسة في حياته اليومية، سيظل الاستقلال حقيقة تاريخية عظيمة، لكنه مشروع لم تكتمل أهدافه بعد.
زكريا_نمر
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل