التحول الرقمي الناجح أن تخدم التكنولوجيا الإدارة بدل أن تعطلها

إن التحول الرقمي الناجح لا يُقاس بعدد المنصات الإلكترونية المعتمدة، بل بقدرته على تبسيط الإجراءات، وتسريع الإنجاز، وتحسين جودة الخدمة العمومية. فالتكنولوجيا وسيلة لتطوير الإدارة، وليست غاية في ذاتها، والموظف الخبير شريك في تطويرها، لا مجرد منفذ لما تفرضه.

وتبرز الإشكالية حين تُرقمن الإجراءات دون مراجعة مساراتها أو إشراك أهل الاختصاص في تصميمها؛ إذ إن نقل التعقيد الورقي إلى قوالب إلكترونية لا يمثل إصلاحًا حقيقيًا، بل قد يحوّل الأداة التي أُنشئت لتيسير العمل إلى مصدر لتعطيله واستنزاف الوقت والجهد.

وتتضح هذه الإشكالية من خلال أمثلة إدارية عملية:

– في معالجة الملفات الإدارية: حين يُطلب من الموظف إدخال البيانات نفسها في أكثر من منصة، أو إعادة تحميل وثائق سبق للإدارة أن امتلكتها، تتحول الرقمنة إلى ازدواجية إلكترونية بدل أن تكون وسيلة لتقليص الإجراءات. والحل هو ربط الأنظمة وتبادل البيانات بينها، مع احترام ضوابط الخصوصية وأمن المعلومات.

– في إعداد التقارير والمراسلات: حين يُفرض قالب إلكتروني جامد لا يستوعب خصوصية الملف أو طبيعة المراسلة، يضطر الموظف إلى تطويع الوقائع لتناسب القالب، بدل أن يُصمَّم القالب لخدمة العمل. والمعالجة هي إشراك الممارسين في إعداد نماذج مرنة وموحدة في أساسياتها، تسمح بالاختلافات المهنية المشروعة.

– في مسار التأشير والمصادقة: حين تتطلب المنصة المرور بسلسلة طويلة من الموافقات الإلكترونية، دون تمييز بين الملفات البسيطة والمعقدة، قد يتأخر الإنجاز رغم سهولة الإجراء تقنيًا. وهنا تبرز ضرورة مراجعة الصلاحيات، وتفويض ما يمكن تفويضه، وتحديد آجال للمعالجة، مع الحفاظ على الرقابة المطلوبة.

– في تسيير الموارد البشرية: حين يُعتمد نظام آلي لتقييم الموظفين دون مراعاة طبيعة الوظائف واختلاف المهام، قد تنتج عنه مؤشرات لا تعكس الأداء الحقيقي. لذلك ينبغي بناء معايير التقييم بمشاركة المختصين، والجمع بين المؤشرات الكمية والتقدير المهني المنضبط.

– في استقبال طلبات المواطنين: حين لا تتيح المنصة تصحيح خطأ في البيانات، أو معالجة حالة استثنائية، أو معرفة سبب رفض الطلب، يصبح المواطن أسيرًا لإجراءات تقنية مغلقة. والحل هو توفير مسارات واضحة للتظلم والتصحيح، ومساعدة المستخدمين، وإتاحة بدائل مناسبة عند تعذر الاستخدام الرقمي.

هذه الأمثلة توضح أن الخلل لا يكمن بالضرورة في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة تصميمها وحوكمتها ومدى ملاءمتها لواقع العمل.

إن بناء منصات فعّالة يقتضي تكامل الخبرة المهنية التي تحدد الاحتياجات، والخبرة التقنية التي تطور الحلول، والخبرة الإدارية والقانونية التي تضبط الإجراءات والصلاحيات. كما يتطلب اختبار الأنظمة ميدانيًا قبل تعميمها، وتكوين المستخدمين، وتوفير الدعم الفني، وإنشاء آليات منتظمة لاستقبال الملاحظات وتصحيح الاختلالات.

ولا ينبغي النظر إلى ملاحظات الموظفين باعتبارها مقاومة للتحديث؛ فقد تكشف عن عيوب حقيقية في التصميم أو التطبيق. فالخبير المهني يمتلك معرفة تراكمية بطبيعة العمل، والتكنولوجيا ينبغي أن تستثمر هذه المعرفة وتدعم القرار، لا أن تلغي الخبرة البشرية أو تقيد المسؤولية المهنية.

إن معيار النجاح ليس أن تصبح الإدارة رقمية فحسب، بل أن تصبح أكثر كفاءة ومرونة وإنتاجية. ويقتضي ذلك تقييم المنصات وفق نتائج ملموسة، مثل تقليص آجال معالجة الملفات، والحد من تكرار الإجراءات والأخطاء، وتحسين رضا الموظفين والمواطنين، وضمان أمن البيانات وجودة القرارات.

شاهد أيضاً

الخير في ما اختار الله: كتب الاستاذ / سيدي محمد ولد محم إلى السيد: صمبا تيام مع بالغ تقديري،

هذا البلد لن ينقسم ولن يتمزق، وكما استعصى عليكم كسره حين حملتم السلاح فلن تستطيعوا …