خلل تربوي فى التقويم

قال خبير علوم التربية أحمد المقاري إن الاختلالات التي تعرفها المنظومة التعليمية، خصوصًا في ما يتعلق بالتقويم والبرامج الدراسية، تمثل أحد الأسباب البنيوية المباشرة وراء ضعف نتائج الامتحانات الوطنية وتنامي ظاهرة الغش، معتبرًا أن هذه الإشكالات لا يمكن تفسيرها باعتبارها سلوكيات فردية أو ظروفًا طارئة مرتبطة بفترة الامتحانات فقط، بل هي، بحسب تعبيره، انعكاس مباشر لاختلالات أعمق في بنية النظام التربوي.

وأوضح أحمد المقاري في مداخلة تلفزيونية ضمن النشرة التحليلية على قناة “TTV” مساء الثلاثاء، أن الامتحانات الإشهادية، وفي مقدمتها امتحان الباكلوريا، جرى ترسيخها في الوعي العام باعتبارها المعيار الحاسم للنجاح والانتقاء، في حين أنها من منظور تربوي لا تقيس إلا جزءًا محدودًا من المكتسبات التعليمية، مشيرًا إلى أن الكفاءات المركبة والمهارات التطبيقية التي تتطور تدريجيًا داخل الفصول الدراسية لا تجد لها انعكاسًا كافيًا في أنظمة التقييم المعتمدة، وهو ما يخلق فجوة متزايدة بين ما يُدرّس وما يُقاس.

وأضاف أن هذا الانفصال بين مسار التعلم وآليات التقييم يؤدي إلى وضعية يصبح فيها عدد من التلاميذ، رغم مواظبتهم على الدراسة طيلة السنة، غير قادرين على ترجمة جهودهم إلى نتائج إيجابية، ليس فقط بسبب ضعف في التحصيل، بل أيضًا نتيجة عدم الانسجام بين المحتوى الدراسي وتوزيعه الزمني وطبيعة الأسئلة المطروحة في الامتحانات النهائية، التي تتحول، بحسب وصفه، إلى لحظة ضغط مركزة تختزل سنوات من التعلم في اختبار واحد.

وأشار إلى أن نسب النجاح في الامتحانات الوطنية لا يمكن قراءتها بمعزل عن منظومة التصحيح ومعايير التنقيط، موضحًا أن أي تغيير في آليات التصحيح أو في تركيبة لجان الامتحانات ينعكس بشكل مباشر على النتائج النهائية، وهو ما يعكس في رأيه غياب توحيد صارم ودقيق للمرجعيات التقييمية، مقارنة بما هو معمول به في أنظمة تعليمية أكثر استقرارًا تعتمد معايير تقويم ثابتة ترتكز على الكفاءات بدل الاقتصار على المعارف.

وفي سياق مقارنته مع تجارب دولية، أشار إلى أن عددًا من الأنظمة التعليمية الحديثة، خاصة في أوروبا وبعض الدول الآسيوية، لم تعد تعتمد الامتحان النهائي كآلية وحيدة للفرز، بل انتقلت إلى نماذج التقويم المستمر التي تجمع بين التقييم التشخيصي والتكويني والنهائي، بما يسمح ببناء صورة تراكمية عن أداء المتعلم بدل اختزاله في نتيجة لحظة واحدة قد تتأثر بعوامل نفسية أو ظرفية.

وفي ما يتعلق بظاهرة الغش، اعتبر الخبير التربوي أن هذه الظاهرة لا تنفصل عن طبيعة النظام التقييمي نفسه، بل تتغذى من بنيته، موضحًا أن الاعتماد على امتحان نهائي حاسم يخلق ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا مرتفعًا لدى التلاميذ، يجعل من لحظة الامتحان “لحظة مصيرية”، وهو ما يرفع، بحسبه، من احتمالات اللجوء إلى سلوكيات غير تربوية، ليس فقط نتيجة ضعف القيم، بل أيضًا بفعل تصميم النظام التربوي ذاته.

وشدد على أن معالجة هذه الاختلالات لا يمكن أن تقتصر على تشديد المراقبة أو الإجراءات الأمنية داخل مراكز الامتحان، بل تتطلب، حسب تعبيره، إعادة نظر شاملة في فلسفة التقويم، عبر الانتقال التدريجي من منطق الامتحان النهائي إلى منطق التقويم المستمر الذي يواكب المتعلم طيلة السنة الدراسية، ويعيد توزيع التقييم على مراحل متعددة تسمح بقياس المكتسبات في سياقات مختلفة.

وانتقد استمرار الفجوة بين ما يتم تدريسه داخل الأقسام وما يتم تقييمه في الامتحانات الوطنية، معتبرًا أن هذا الانفصال يضعف من مصداقية النظام التربوي ويخلق حالة من عدم الثقة بين المتعلم والمؤسسة التعليمية، حيث يصبح الهدف في كثير من الحالات هو النجاح في الامتحان بدل اكتساب التعلم.

وأكد أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة التقويم يظل مشروطًا بإعادة هيكلة البرامج التعليمية وآليات التقييم بشكل متكامل، وبإعادة بناء العلاقة بين التعلم والتقويم داخل مسار واحد، إلى جانب إدماج الكفاءات وأهل الخبرة في المجال التربوي، بما يضمن عدالة أكبر في القياس وفعالية أعلى في المخرجات التعليمية وقدرة أفضل على مواكبة التحولات التي تعرفها الأنظمة التربوية الحديثة.

 

شاهد أيضاً

موريتانيا تقدم تعازيها لدولة قطر في ضحايا حادث منطقة رأس لفان

قدمت موريتانيا، أمس الثلاثاء، تعازيها لدولة قطر إثر الحادث الذي وقع في منطقة رأس لفان الصناعية …