قد تعد المجاملة بحق، في حدودها الإنسانية، سلوكا اجتماعيا محمودا يعزز العلاقات بين الأفراد ما لم تتحول إلى ظاهرة مدمرة، تتسلل إلى فضاءات التوظيف ومنابر الثقافة وصناعات الإنتاج الإبداعي ومحارب التجسيد الفكري. فعندما تصبح التعيينات والترقيات والتكريمات والتزكية خاضعة لانتقائية المجاملة والنفعية والولاءات الضيقة من زمن عصي على الانزياح، تهتز قيم العدالة وتنكسر معايير الاستحقاق ليصبح النجاح رهين العلاقات لا الكفاءة، والانتماء لا الجدارة.
وفي المجتمع الذي تهيمن فيه الاعتبارات القبلية والطبقية والشرائحية والفئوية على مقاييس الاختيار المحايدة، يتراجع معيار الإنجاز أمام معيار الولاء، ويجد أصحاب الكفاءة والمواهب الحقيقيين أنفسهم محاصرين عند هامش الفرص، بينما يتقدم غيرهم مستندين إلى شبكات النفوذ والمصالح، لينتج عن كل ذلك إحباط عام وتآكل للثقة بالمؤسسات والدوائر والمنابر والفضاءات الحيوية، ويدرك الأفراد أن الاجتهاد لم يعد الطريق الطبيعي السالك والآمن إلى التقدير والتقدم.
ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة الضارة على المجال التوظيفي، بل تمتد إلى الثقافة والفكر. فحين تكافأ المجاملة أكثر مما يكافأ الإبداع، ويحتفى بالولاء أكثر مما يحتفى بالإنجاز، يصبح الصمت أو المسايرة خيارا يفرضه الواقع على كثير من المثقفين والمبدعين، ويتحول الفكر بالنتيجة من قوة نقد وتجديد إلى أداة تبرير وتجميل للواقع المختل.
أما النفعية المنفلتة من الضوابط الأخلاقية، فإنها تجعل المصلحة الشخصية معيارا أعلى من القيم والمبادئ، وعندما تبرر الوسائل بالنتائج وتتقدم المنفعة على الحق، تتآكل المسؤولية العامة ويضعف الإحساس بالمصلحة المشتركة، فلا يعود السؤال ما الصواب؟ بل ما الذي يحقق أكبر وأسرع منفعة؟
وفي المنكب القصي وبلاد التناقضات الكبرى فإن هذه الظواهر تبدوا أكثر تعقيدا حين تقرأ في ضوء ميراث تاريخي طويل تشكل قبل اكتمال بناء الدولة الحديثة، حيث أنتجت البنى الاجتماعية التقليدية منظومة من الولاءات والعلاقات كانت تؤدي سلفا وظائف الحماية والتكافل والتنظيم على خلفية الكر والفر تارة، والتنازل والعناد تارة أخرى، حتى ظلت حاضرة في الوعي الجمعي من بعد قيام مؤسسات الدولة. فمن هنا أمكن فهم استمرار تأثير الانتماءات الضيقة في مجالات الإدارة والثقافة والحياة العامة، حيث ينافس الولاء الكفاءة، وتزاحم العلاقة الشخصية مبدأ الاستحقاق.
ولعل جذور هذه الظاهرة تتصل بما يمكن تسميته بميراث “اللادولة”، أي استمرار بعض القيم والآليات الاجتماعية التي نشأت في ظل غياب الدولة المركزية الحديثة أو ضعف حضور شبيه لها. ففي مثل هذه البيئات تصبح القرابة والعصبية والولاء الشخصي وسائل طبيعية للحصول على المكانة والفرص، بينما يتراجع الاحتكام إلى القواعد المجردة والمؤسسات المستقلة الراسخة. وعندما تنتقل هذه الذهنية إلى فضاءات الدولة والثقافة فإنها تتحول نتيجة لذلك من أداة للتضامن الاجتماعي والعمل البناء المشترك إلى عائق أمام العدالة والتنمية.
ومن مظاهر “التمويه” التي ترافق سلطان المجاملة والنفعية أحيانا إبراز أو تكريم عدد محدود من المنتمين إلى الفئات الأضعف ظهيرا قبليا وشرائحيا والأقل حضورا في الدوائر السياسية “الضيقة” وفي مراكز النفوذ “المغلقة” والحقول الثقافية “المصنفة”، وافتعال الاستماع إليهم “مبدعين ومنتجين”، لا باعتبار ذلك تعبيرا عن عدالة حقيقية أو تكافؤ للفرص، بل بوصفه وسيلة لإضفاء مظهر من التوازن والإنصاف على واقع ما تزال تحكمه علاقات الولاء والمجاملة. فحين يتحول الاستثناء إلى واجهة تخفي القاعدة، يصبح التكريم ذاته جزء من آلية إعادة إنتاج الخلل بدل أن يكون خطوة نحو تصحيحه.
ويتجلى هذا الأمر بشكل أكثر وضوحا في بعض المجالات الثقافية والأدبية، حيث يبرز أفراد استطاعوا بجهودهم ومواهبهم فرض حضورهم رغم العوائق، غير أن الاحتفاء بهم قد يستخدم أحيانا للتغطية على استمرار اختلالات أعمق في منظومة الاعتراف والتقدير. وهكذا تتحول النماذج الفردية الناجحة إلى دليل يستند إليه لنفي المشكلة، بدل أن تكون حافزا لمعالجة أسبابها البنيوية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في محاكمة التاريخ، بل في بناء المستقبل لأن الدولة الحديثة لا تستقيم إلا حين تكون المواطنة فوق العصبية، والمؤسسة أقوى من الأشخاص، والقانون أسمى من الاعتبارات الخاصة. كما أن الثقافة لا تؤدي رسالتها إلا عندما تكون فضاء حرا للاجتهاد والإبداع، لا ساحة لتبادل المنافع والاعتراف والتوشيح والتزكية المتبادلة وتوزيع الشهادات والمنح.
وإن أخطر ما في “سلطان” المجاملة والنفعية أنه لا يفسد المؤسسات فحسب، بل يعيد تشكيل الوعي الجمعي حتى تبدو الممارسات الخاطئة سلوكا طبيعيا ومشروعا. وعندما يتحول الخلل إلى ثقافة، والمحسوبية إلى عرف، يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، لأن المشكلة لا تعود في السلوك وحده، بل في الذهنية التي تبرره، وفي البنية الاجتماعية التي تعيد إنتاجه. ولذلك فإن معركة التنمية الحقيقية ليست اقتصادية أو إدارية فقط، بل هي قبل ذلك معركة ثقافية وأخلاقية من أجل ترسيخ قيم الكفاءة والعدالة والاستحقاق بوصفها الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة والمجتمع المتقدم
شاهد أيضاً
تخرج دفعة جديدة من الممرضين والقابلات بمدرسة الصحة العمومية في النعمة.
نظمت مدرسة الصحة العمومية في النعمة بالحوض الشرقي، صباح اليوم الأحد حفل تخرج لدفعة جديدة …
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل