بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وبنفوس يعتصرها الحزن والأسى، تلقينا نبأ رحيل الأستاذ المربي ومدير ثانوية ازويرات، السيد سيدي ولد السالك، الذي انتقل إلى جوار ربه اليوم بعد حياة حافلة بالعطاء والبذل والتفاني في خدمة العلم وأهله.
لقد كان الفقيد رجلاً وهب نفسه للمؤسسة التربوية التي أحبها وأخلص لها، فكان حاضرًا في أروقتها صباحًا ومساءً، يعمل ليل نهار من أجل أن تؤدي رسالتها على أكمل وجه. ولم يكن المرض الذي أثقل جسده يومًا سببًا في فتور عزيمته أو تراجع همته، بل ظل صابرًا محتسبًا، يؤدي واجبه بإخلاص نادر وإرادة لا تلين.
عرفه الجميع مربيًا قبل أن يكون مديرًا، وأبًا قبل أن يكون مسؤولًا. كان يحمل همَّ الطلاب في قلبه، ويسعى بكل الوسائل إلى إيصال المعرفة إليهم، مان مراعيا لما قد يعترض مسيرتهم من نقص أو صعوبة، مؤمنًا بأن لكل طالب حقًا في الفهم والتعلم والنجاح.
وضع مصلحة الطلاب فوق كل اعتبار. وكان يستقبل برحابة صدر كل من قصد المؤسسة طلبًا للعلم، حتى أولئك الذين ضاقت بهم السبل بعد أن أغلقت في وجوههم أبواب مؤسسات أخرى، فوجدوا عنده قلبًا رحيمًا وبابًا مفتوحًا وأملًا جديدًا.
ولم يكن عطوفًا على طلابه فحسب، بل كان قريبًا من زملائه المدرسين، يراعي ظروفهم، ويتفهم معاناتهم، ويعاملهم بروح الأخوة والمحبة والاحترام. كان أبًا للجميع، وصاحب قلب أبيض نقي، لا يحمل ضغينة ولا يعرف الحقد طريقًا إلى نفسه. وإذا غضب لأمر من الأمور، سرعان ما تعود إليه نفسه اللوامة، فتغلب سماحته على غضبه، ويظهر ذلك القلب الطيب الذي عرفه كل من اقترب منه أو تعامل معه.
ولقد كان مشهد وداعه شاهدًا على مكانته في القلوب؛ فقد امتلأ مسجد بلال بالمشيعين، وازدحمت رياض المقابر بالمحبين، وبكاه القريب والبعيد، وبكته أياديه البيضاء التي امتدت إلى المحتاجين، وبكته صدقاته وأعماله الخيرة، وبكته مدينة تيرس كلها، وكأن الله تعالى ألقى له محبة صادقة في قلوب عباده.
لقد رحل الجسد، لكن الأثر باقٍ، والذكر الحسن خالد، وما زرعه من علم وأخلاق وقيم في نفوس الأجيال سيظل شاهدًا له، ودعاءً متجددًا يرافقه إلى يوم يلقى ربه.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجزه عن طلابه وزملائه ومجتمعه خير الجزاء. اللهم اجعل ما قدمه من علم نافع وتربية صالحة وصدقات جارية نورًا له في قبره، وارفع درجته في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل