قرارات بلا مضمون

في الآونة الأخيرة، أثارت جملة من القرارات الصادرة عن وزارة التربية الموريتانية جدلاً واسعاً في الأوساط التربوية والإعلامية، نظراً لما طبعها – حسب متتبعين – من طابع أحادي وذاتي، وصدورها بعيداً عن معايير الشفافية والتوضيح المفصل الذي يحق للرأي العام الاطلاع عليه. فغياب الشرح الوافي لخلفيات هذه القرارات، وعدم توضيح أسبابها الموضوعية ومعايير اتخاذها، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول منهجية التدبير المعتمدة داخل الوزارة، وحدود ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومدى الاعتماد على تقييم مهني وموضوعي للأداء.
إن الإدارة العمومية، وخاصة في قطاع حيوي كقطاع التعليم، مطالبة بأن تجعل من الشفافية والتواصل ركيزتين أساسيتين في عملها اليومي، ليس فقط لضمان ثقة الفاعلين، بل أيضاً لتكريس مبدأ الحكامة الرشيدة. غير أن توالي قرارات الإعفاء أو التغيير الإداري، دون تواصل مؤسساتي واضح يشرح السياق والأسباب والمعايير، يبعث برسائل سلبية إلى العاملين في القطاع، ويغذي الشعور بعدم الاستقرار وغياب الإنصاف.
ويرى متابعون للشأن التعليمي أن هذا النهج قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان داخل المنظومة التربوية، خاصة عندما تُفهم القرارات على أنها انتقائية أو خاضعة لاعتبارات ضيقة، من بينها القبلية أو العلاقات الشخصية، سواء تعلق الأمر بالتعيينات أو حتى بقرارات التفريغ. مثل هذه الممارسات، إن صحت، تقوض مبدأ تكافؤ الفرص، وتضعف روح الانتماء المؤسسي، وتؤثر سلباً على أداء الأطر التربوية والإدارية.
كما أن الإصلاحات المعلنة في قطاع التعليم، مهما كانت أهميتها وطموحها، تظل رهينة بوجود إدارة مستقرة، ورؤية واضحة، وتدبير هادئ يقوم على إشراك مختلف الفاعلين: من معلمين، ونقابيين، وخبراء، ومجتمع مدني. فالقرارات الفوقية، المتخذة دون تشاور أو تبرير، قد تعرقل تحقيق الأهداف المرجوة، وتحوّل الإصلاح من مشروع وطني جامع إلى مصدر توتر وانقسام.
إن الحاجة اليوم ماسة إلى مراجعة أسلوب التدبير داخل وزارة التربية، عبر اعتماد مقاربة تشاركية، وتكريس الشفافية في اتخاذ القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة على أساس معايير واضحة ومعلنة. فالتعليم ليس مجالاً للتجريب أو تصفية الحسابات، بل هو رهان استراتيجي لمستقبل البلاد، يتطلب حكمة في القرار، وعدالة في التعيين، ووضوحاً في الرؤية، حتى يستعيد القطاع عافيته، وتُبنى الثقة بين الإدارة ومختلف الفاعلين في الحقل التربوي.
بقلم الشيخ ماء العينين

 

شاهد أيضاً

الحكومة تمنح قطعا أرضية لشركة استصلاح شاطئ نواكشوط

  – أجازت الحكومة الموريتانية في اجتماعها اليوم ثلاثة مشاريع مراسيم، يتم بموجبها منح مؤقت …