“الناس شركاء في ثلاث: الماء والمرعى والنار…” توجيه نبوي يتمثله بصدق سكان قرية “بنار” أو علب الرحمة التابعة لمقاطعة “مال ” فلا يردون طالبا للماء ولا يمنعون المنتجعين من أن يحطوا رحالهم في أطراف بلدتهم الوادعة، وعلى ضفاف السد أو الردم  الذي يعد من أقدم السدود في المنطقة حتى ولو كلفهم ذلك أن يعيشوا أياما تحت رحمة العطش كما يشرح الوجيه يعقوب ولد عبد الله  لموقع الفكر .

وإذا كانت بعض المدن هبة الأنهار فإن قرى آفطوط التابعة لمقاطعة مال تعد بحق هبة السدود التي أصبحت تعرف باسم التجمعات القريبة منها، وليست “بنار” بدعا في ذلك، فالسدود هي المصدر الأول لمياه الشرب، وللزراعة الفيضية بعد مواسم  الأمطار، كما تصبح السدود وجهة طالبي الراحة والاستجمام من الساكنة والوافدين الذين لا يمكن أن يفوتوا فرصة الاستمتاع بأجواء الخريف مع ذويهم وفي ربوع مواطنهم الأصلية.

معاناة تتجدد

لا يرغب الكثير من الساكنة في البوح بهمومهم للغرباء، ولا أن ينغصوا أجواء الخريف ومناظر الخضرة والماء بالحديث عن مشاكلهم الخاصة، ومع ذلك تظل الشكوى من العطش، وشح المياه على كل لسان، فما زال السكان يتذكرون بمرارة أزمة العطش التي ضربت القرية قبل أشهر معدودة، وأوصلت سعر طن الماء الشروب إلى أرقام فلكية ولولا تدخل جهات حكومية بجلب صهاريج مياه من شكار ومال لأخذت الأزمة بعدا آخر كما يقول الوجيه يعقوب وهو يشير إلى أطلال أول خزان للمياه بدت روافعه الأسمنية مهترئة صدئة تشكو الإهمال والنسيان، وعلى مقربة منه يجري بناء خزان جديد ما يزال قيد الإنشاء.

ويؤكد يعقوب أن حل مشكل المياه يظل مطلب السكان الأول بعدما فشلت كل المحاولات في تأمين جرعة مياه صالحة للشرب لسكان القرية والذين لا يتجاوزون  على أكثر تقدير 500أسرة،

على أطراف السد ترتفع فوهات آبار اسمنية تغطيها بإحكام سدادات خرسانية، إنها الخزان الحقيقي للمياه بهذه القرى حيث ينزح السكان هذه الآبار مع انحسار مياه السد التي تغمرها خلال موسم الأمطار، أما في هذه الأيام فإن “الآضات”  التي تخلفها الأمطار والمياه السطحية هي ما يغذي حاجة السكان من المياه..

قوافل لا تنقطع من عربات  الحمير المحملة ببراميل المياه تغدو وتروح صوب أقرب بئر أسمنتي أو محفر لتجميع مياه السد، أطفال في عمر الزهور يشاركون في مهام جلب المياه التي تصبح أكثر مشقة خلال أشهر الصيف عندما تغور مياه الآبار، وتزداد ساعات الانتظار طلبا لبضع لترات من الماء العكر، فالمضخات الارتوازية بهذه القرى لا ترفع سوى المياه المالحة، مما يسرع من إتلافها وتعطل أجهزتها وتحتاج صيانة مفقودة في أغلب الأوقات، ليكون الوفاء للطرق البدائية في الحصول على المياه هو البديل المتاح رغم المشاق والمضاعفات الصحية العديدة.

فاتورة باهظة 

اعتماد الساكنة على مياه الآبار السطحية التي لا يتجاوز عمقها سبعة أمتار في الغالب أدى إلى انتشار الأمراض المعوية والاسهالات بين الأطفال، وأجهض جهود السلطات الصحية في القضاء على  “دودةغيبنا” التي ترتفع معدلات الإصابة بها بين السكان إلى جانب الأمراض الجلدية كالجرب وعدوى الفطريات كما يقول العاملون في المراكز الصحية بهذه القرى، كما أن ارتفاع ملوحة مياه الآبار الارتوازية أدت هي الأخرى تزيد من الإصابة بأمراض الضغط والقلب كما يشرح أحد الأطباء المشاركين في قافلة صحية تجوب قرى مثلث الفقر. 

ويجب التنويه إلى أن المياه السحطية من أسباب الإصابة بحصوات في الكلى.

ما زالت أزمة العطش التي ضربت قرية “بنار” شهر يونيو الماضي عالقة بأذهان الساكنة الذين كانوا على شفا الكارثة بعد تعطل البئر الارتوازية بالقرية، ونضوب محافر المياه إثر انحسار مياه السد، ويتطلعون إلى أن يكون موسم الخريف هذا العام أوفر أمطارا، وأن تفيض بحيرة السد فتنهل الأفواه العطشى، وتمرع السهول الجدباء، وتجود حقول المزراعين بالخير والنماء، ولا يتوقف الكثيرون مع الوعود الحكومية لحل أزمة العطش حتى ولو كانت مشاريع كبرى لربط هذه القرى بمياه النهر ووضع حد لأزمة طالما أرقت الجميع يعلق أحد الساكنة..