عندما كنا أطفالًا، نلعب في شوارع نواكشوط، كنا نشكّل كتائب صغيرة نطلق عليها اسم (لرمه)، ونوزع بيننا الرتب والمناصب العسكرية، ويتخذ كل واحد منا اسمًا من أسماء أبطال الجيش الوطني الذين كانت حكايات شجاعتهم وبطولاتهم تملأ خيالنا الصغير.
وكان اسم ابريكة ولد امبارك حاضرا بقوة بيننا، إلى جانب جدو ولد السالك، و اسويدات ولد وداد، وفياه ولد المعيوف، وولد لكحل، وغيرهم من الضباط الذين عرفنا أسماءهم قبل أن نعرف وجوههم، وكبرنا ونحن نحمل لهم في نفوسنا شيئا من الفخر والإعجاب.
ومرت السنوات…
وفي إحدى ليالي نواكشوط الباردة، كنت أسير وحيدا في أحد شوارع تفرغ زينة، أبحث عن سيارة أجرة في وقت كانت فيه الشوارع شبه خالية، والعثور على وسيلة نقل أشبه بمهمة مستحيلة.
وفجأة توقفت أمامي سيارة يقودها رجل ، تبدو على ملامحه السكينة والوقار. عرض علي أن يوصلني إلى مكان أجد فيه سيارة أجرة.
ركبت معه، وكانت بحوزتي دفاتري الدراسية. لاحظها الرجل، فراح يحدثني عن أهمية العلم، ويحثني على الدراسة والاجتهاد، ويسدي إلي نصائح كثيرة بحنان أبوي وتواضع نادر.
أوصلني إلى وجهتي، وشكرته وافترقنا دون أن أعرف اسمه.
وبعد أيام، كنت أشاهد التلفزيون الوطني، فإذا بالرجل نفسه يظهر أمامي على الشاشة!
يا للمفاجأة! لقد كان ذلك الرجل ابريكة ولد امبارك نفسه!
ذلك الاسم الذي كنا نتسابق إلى حمله في ألعاب طفولتنا، وذلك الضابط الذي نسجنا من حكايات شجاعته صورة البطل في مخيلتنا، كان هو نفسه الرجل الذي توقف في ليلة باردة ليساعد شابًا لا يعرفه، ويحثه على طلب العلم، ثم يمضي في صمت دون أن يخبره من يكون.
يومها أدركت أن بعض الرجال لا تصنع بطولتهم رتبهم العسكرية، ولا الأوسمة التي يحملونها، وإنما أخلاقهم حين لا يعرفهم أحد.
واليوم، يرقد ابريكة ولد امبارك مريضا في لاس بالماس بإسبانيا.
وأنا أستعيد تلك الذكرى التي لم تغادر وجداني، أتوجه إلى الله العلي القدير أن يشفيه ويعافيه، وأن يعيده إلى أهله ووطنه سالمًا.
لكنني أتوجه أيضا إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لأقول له
إن تكاليف العلاج في إسبانيا باهظة، والإقامة ومرافقة المرضى تستنزف المال والجهد. وحتى إن رفض ابريكة المساعدة عزةَ نفس وأنفة، فإن على الدولة أن تتولى رعاية مرافقيه، وأن تضمن له الظروف التي تليق بتاريخه وخدمته العسكرية .
فما قيمة الأوسمة والخطب العسكرية، وما معنى الحديث عن الوفاء لرجال المؤسسة العسكرية، إن لم يجد هؤلاء الرجال وطنهم إلى جانبهم ساعة المرض والعجز والحاجة؟
وأي شرف عسكري يبقى حين يصبح مصير بعض ضباط الجيش بين سرير مرض يكابدون عليه الألم، وزنازين يُسجن فيها آخرون بسبب آرائهم ومواقفهم؟
إن الدولة التي تنسى رجالها في محنهم، لا تستطيع أن تقنع الأجيال القادمة بأن التضحية من أجلها شرف يستحق أن يُبذل العمر في سبيله.
فالأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بما يقدمه أبناؤها لها، بل بما تقدمه هي لأبنائها عندما تتقدم بهم السن، وتثقلهم الأمراض، وتخذلهم القوة التي أفنوها في خدمتها.
اللهم اشفِ ابريكة ولد امبارك، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وأعده إلى أهله ومحبيه سالمًا معافى.
أما أنت يا وطن، فلا تجعل أبناءنا الذين كانوا يتسابقون يوما لحمل أسماء أبطالك، يكبرون ليشهدوا كيف يُترك أولئك الأبطال وحدهم في مواجهة المرض والنسيان .
أدعو الله له بالشفاء
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل