لو كنتُ وزيراً أوَّل، ولست أهلا لذلك، لعَذرْتُ كلَّ مَنْ جلسَ على ذلك الكرسي الوثير… لأن الشيطان سوف يكون أولَ من يرسل لي برقية تهنئة رسمية فيها يجدد ثقته بقدرتي على تعزيز علاقات الصداقة والتعاون القائمة. ثم يقدم لي تحيةَ الوِدِّ كلُّ كُرْسِي مُتْرعٍ بالأطماع وكل نجْمةٍ حمراء على قُبّعة اللّيل، وما بقي من العمائم الشمطاء التي تحرس مراتع العشيرة.. وكل مثقف يلبس بذلة الحرباء أو سياسي يبيع أشْلاءَ الضمير وشظايا المبادئ وآخر قِطَعِ الكرامة ليشتري بثمنها بطاقةَ دعوة إلى مائدة البلاط. ولسوف ينصحني جميع المهنئين بأن اجعل بيني وبين واقع البلد ألفَ حاجب.. وأطيل أسوار القصر حتى لا أسمع أنين أي عريش في الأحياء الشعبية.. وأعمل على أن تطمئن إلىّ “بَنْكِيلي” ابنِ أُبَيٍّ ومفاتيح خزائن قارون وكلُّ المؤلَّفة جُيوبُهم من قبائل ذي الوجهين..
وستبتسم ليَ الدنيا، تخلع علىّ حُلَلا من حرير النفوذ.. وتهديني بوصلةَ الهوَى وخرائط التِّيهِ في أقْبِيَة المسؤولية.. وما تلبث أن تُهاتفني أبْكارُ الغرور وتهمس في أذني عذارى الطمع: لا تجعلْ للقصر قلباً واحداً .. ولا للثّوْب جيبا واحدا.. ولا للولاء قبلةً ثابتة.. ثم تراسلني فاتناتُ المصالح الضيقة، يُسْدينَ من باب الصداقة، نصيحةً برفع سقف المنافع، ويقدِّمْنَ تحذيراً شديد اللهجة من باب (ويلٌ للمصلين).. ثم تزدحم حولِي عدساتُ المصورين لِتُعميَني عن مساوئ حب الظهور.. وعن ألوان إشارات حركة المرور.
أما مكتبي وقصري وحرَسي وحاشيتي ورجال مالي وأعمالي وحِلْفي السياسي فسيَسْكُبْنَ العسل في آنية التزلُّف، ويتواطأْن ليحْجُبْن عني نور المصلحة العامة وبريق الأثر الطيب في نفوس الرعية… فإن جال بخاطري الطموحُ إلى عرْشٍ أعْلَى، قالت عفاريت السياسة سنأتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك.. وتسابقوا ليرسلوا تقريرا سريا إلى الباب العالي ونسخة بلا أصل إلى شياطينهم من المدوِّنين.
لذلك سوف ألتمس كلَّ الأعذار وأحْسَنَ المخارج لكل وزير أول سابق وحاضر ولاحق.. لأن المصلي خلف إمام راتِبٍ في محاريب السلطة لا بُدّ أن يتابعه على مشهور مذهب “ماكْ يافَلْ” في استدبار القبلة والزيادة والنقص وستر عورة الفشل، ولا بد أن يجدد كل حين غُسْلَ بيْعَتِهِ وطهارةَ ولائِه لكثرة ما ينتقض الوضوء السياسي في مجالس المسؤولين حيث يقل الطُّهور.. فإن سها إمامُه ورفع لثالثة من صُبْح المأمورية، قام ولم يُسبِّح على الراجح من أقوال “شارل تاليران”، وإن كان مسبوقا سلّم بسلام الإمام وخرج مع أول المأمومين..
لو قيل لي هذا عرشك، ولن يقول به قائل، سأعلقُ على باب كل مسؤول لوحة تقول له كل صباح »تذكرْ أن الوزارة وغيرها من الشخصيات الاعتبارية تقف بين يدي رب العالمين«، لأن كل المسؤولين آتيه يوم القيامة فرْدا، فتشهد عليهم فواتيرهم وصفقاتهم وتوقيعاتهم بمَا كَانُوا يَعملون…
ولسوف أصدر تعميما رقم 001 يبين أن مأموريات المسؤولين منتهية لا محالة ولا تدوم سوى لمحةَ برْقٍ في ليل طويل إذا قيسَتْ بأعمارهم في الحياة الدنيا، ثم في البرزخ داخل قاعة الانتظار قبل العبور إلى دار الخلود، يوم لا تزر وازرة وزر أخرى. فلا يغترّن مسؤولٌ بكرسيّ هو تاركه، وليُعِدّن قبل كل توقيع جوابين: جوابا مُثقَلًا بمساحيق التجميل لمفتشية الدولة، وجوابًا عاريَ الوجه ليوم الحساب بين يدي من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وأخيرا لو كنتُ وزيرا أول، وقفتُ أمام البرلمان لأقرأ هذا الإعلان، ولتطمئن غُرف التسجيل فلن أكون: سيدي الرئيس السادة النواب،
إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة.. لذلك سوف أطَهِّر شَفتي من كلام السياسة الشعبوية، وأخفف عبء أدراجي المثقلة بتقارير المكر والخداع.. وأحذف كل الدراسات الواهية من جدول الأعمال الرسمية، فأريح لحظةً رفوفَ الذاكرة من ركام كل برنامج اقتصادي معصوبِ العينين وأكنسُ عنها غُبارَ أي خطة تنمويةانقطعت عنها الكهرباء قبل أن تُبصر معالم الطريق.. سأمسح طاولة الوهم الرسمي حتى أهَيِّئَ لصرح التنمية الأرضيةَ الأخلاقيةَ التي تضمن ثباتَالأسس بما يرسخ أركانها من المبادئ الجمهورية والقيم الإنسانية..
سيدي الرئيس السادة النواب:
إن مسؤوليتي تكليف لا تشريف.. ولا تنفصل عن العدل، والإنصاف وسيادة القانون والشفافية وجودة الحوكمة والممارسة الديمقراطية. فلو عثرتْ بغْلَةٌ بين المحيط و”فصّالة” و”عين بنْتِيلِي” لكنتُ أنا المسؤول.. ولو أوقدتْ أمٌّ في أقصى الوطن نارًا تحت قِدرٍ فارغ لتخدع جوع صغارها، لبعثتْ قدورُ قصري تقريرا إلى رب العالمين.. لذلك سوف أسعى أولا إلى تحقيق العدالة والمساواة والإنصاف…
سأترك لحظةً محْض العمل على “محاربة الفقر” وتحقيق “النمو السريع والرفاه المشترك”، حتى أقضي على أزمة القيم التي تنخر جسم المجتمع وتَعصِف بما تحقق من بنى تحتية ومكاسب مادية. فتنمية البلدان لا تبدأ بالخرسانة والحديد ولا بالطرق والمطارات والجسور والمصانع والمستشفيات وسائر المنشآت، بل ببناء العقول التي تبتكرها وتخطط لها، والسواعد التي تشيدها وتُسيِّرها، والضمائر الحية التي تحرسها وتَصُونها. وكمْ بنَيْنَا من خَيَالٍ حوْلنا.. منذ فجر الاستقلال !
ولأن بناء الأنسان يسبق بناء الأوطان، سأتوقف لحظةً عن مجرد تحقيق أهداف الازهار المادي، حتى أرسخ جذور التربية الأخلاقية والوعي المدني وثقافة المواطنة وأعطي الأولوية للتعليم والتكوين، وأبنيَ جسور الثقة بين المواطن والدولة. فبناء الدول يبدأ في القلوب بالثقة والنصح قبل رفع الإسمنت والفولاذفي الوراشات .. والمواطن قد يتحمّل شظف العيش ووهن الاقتصاد، إذا رأى ميزان العدالة ثابتًا لا تحرّكه الأهواء، وسقفَ القانون عاليًا لا تعلو عليه التِّيجان، وأيدي القادة نظيفة لا تلطخها الرغبات، وقواعد الدولة شفافة لا تميز بين قريب وبعيد، ولا بين قوي وضعيف.
ولأن بذور الرّفاه لا تنمو خارج أسوار آمنة، سأزرع الأمن في حديقة كل بيت وأسقيه من ينابيع العدل، حتى يصبح الشعبُ حارسَ السلطة، والهامشُ حصنَ المركز. فأَمْنَ الوطن لا يُقاسُ بِأمان القُصور، بَلْ باطمئنان ساكنة الأكواخ النائيةِ، والحراسةُ المشددة قد تحمي الأسوارَ، لكنّ راحة البال القائمة على العدل والمساواة هي التي تحمي الأوطان.
سيدي الرئيس السادة النواب:
سأسعى إلى مكافحة جادة للفساد والمحسوبية وسائر أشكال التمييز والمحاباة، لأحمي أموال الشعب من نهب كافة المفسدين. ولآخُذَنّ الوزير بالوِزر، والحاكم بالمظلوم، والمحاسب بالمحسوبية، والمُنْتِج والموَرِّد والممَوِّنَ بالغش ورداءة المُنْتَج، والمرتشي والراشي بثمن ما بيع من قطع غيار الضمير، حتى يلقى المسؤول أخاه، فيقول: انجُ سعْدٌ فقد هلَك سعيد!
سألغي جميع الامتيازات غير المستحقة وكل صفقات المتنفذين غير المؤهلين.. وأحاسب المجرمين دون أن أكترث بزغاريد نساء القبيلة.. ولا بمُكاء الصراصير من سماسرة الامتيازات.. لن أخصص أي بند من ميزانية العِرْضِ لمرتزقة “فاڭْنيرْ” الإعلامية ولا لفلول صحافة “البشمرڭة”.. ولن أدَارِيَ المدونين ولا المهرِّجين المبتزين، من عرق جبين المساكين.. فالفعلُ التنموي أبلغُ من التلميع على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن مساحيقَ التجميل لا تخدع بطون الجياع .. ورغيفَ الفقير لا يَعجنُهُ بثٌّ مباشر أوهنُ من بيت العنكبوت …
سيدي الرئيس السادة النواب:
نحن أمة من الشعراء والخطباء والسياسيين المتزلفين و”النخب” المتملقة، ننتج الكلام ونبيع الكلام ونستهلك الكلام ونُحرِّم الكلام على الكلام.. فنبني صروح الوهم ونأكل فُتاتَ رِبَا الباطل ونشرب نبيذ الجشع وحبوبه المهلوسة. نحن أمة تسكن كهف الماضي وتلْتهِمُ بذور الحاضر وتزرع الألغام في حقول المستقبل، لِتدْفن رأسها في رمل السراب قبل أن تبتلعها هاوية الغياب.
سيدي الرئيس السادة النواب:
اسمحوا لي أن أختم ببعض ما قاله الصِّدِّيق رضي الله عنه: “قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، فالضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق..، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل