أكد محمد الحنفي دهاه، الأمين العام لفرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، أن التعاون الديني والعلمي بين موريتانيا والمغرب يقوم على إرث تاريخي وروحي عميق، تشكل عبر قرون من التبادل العلمي والرحلة في طلب العلم، وأسهم في بناء شبكة معرفية مشتركة لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

وأوضح ولد دهاه، في مداخلة عبر قناة TTV، ضمن نشرتها التحليلية مساء الخميس، أن هذا التعاون لا يمكن فصله عن السياق التاريخي الذي ميّز المنطقة، حيث اضطلع علماء البلدين بدور محوري في نشر العلوم الشرعية وترسيخ تقاليد علمية قائمة على الإجازة والسند والرحلة بين الحواضر العلمية في موريتانيا والمغرب، وهو ما أسهم في تعزيز التواصل العلمي بين الجانبين.

وأضاف أن هذا الإرث تجسد في حركة علمية نشطة بين البلدين، جعلت من مدن مثل فاس وشنقيط وولاتة مراكز متبادلة للتكوين والتلقي، وأسهمت في إعداد أجيال من العلماء الذين نقلوا هذا التقليد العلمي عبر الأجيال، بما رسخ وحدة المرجعية العلمية والدينية في المنطقة.

وأشار إلى أن عددًا من الزوايا العلمية والصوفية في موريتانيا ترتبط بأصول مغربية، من بينها الزاوية الناصرية والزاوية الفاسية، إلى جانب الطريقة التجانية، معتبرًا أن ذلك يعكس عمق الامتداد الروحي والعلمي بين البلدين، ويبرز قوة الروابط التي نسجتها المؤسسات الدينية والعلمية عبر التاريخ.

ولفت إلى أن هذه العلاقات لم تقتصر على بعدها التاريخي، بل تحولت إلى شبكات تواصل علمي وروحي لا تزال قائمة حتى اليوم، من خلال الزيارات المتبادلة بين الزوايا، والتواصل المستمر بين العلماء وأتباع الطرق الصوفية في البلدين، بما يسهم في الحفاظ على هذا الإرث المشترك وتعزيزه.

وفي الجانب التعليمي، أوضح ولد دهاه أن الكراسي العلمية في المغرب تعتمد تنظيمًا مؤسساتيًا متقدمًا في تدريس العلوم الشرعية، مشيرًا إلى أن هذه التجربة يمكن الاستفادة منها في موريتانيا، مع مراعاة خصوصية البيئة العلمية المحلية وخصوصيات كل بلد.

وأضاف أن المتون العلمية التي تُدرَّس في موريتانيا والمغرب تُقدَّم اليوم بأساليب تجمع بين المنهج التقليدي ووسائل الشرح والتبسيط الحديثة، وهو ما يجعلها أكثر قابلية للفهم والاستيعاب لدى مختلف الفئات، مع الحفاظ على أصالتها العلمية.

وشدد على أهمية تعزيز التبادل بين الكراسي العلمية في موريتانيا والمغرب، بما يتيح تطوير أساليب التدريس وتبادل الخبرات بين العلماء والباحثين، ويسهم في ترسيخ التعاون العلمي والديني ضمن إطار تقليد تاريخي قائم على الرحلة في طلب العلم والتلقي المباشر.

وخلص إلى أن التعاون الديني بين موريتانيا والمغرب لا يقوم فقط على علاقات مؤسساتية حديثة، بل يستند إلى إرث علمي وروحي ممتد عبر قرون، يشكل قاعدة راسخة لتعزيز التكامل العلمي والديني وفتح آفاق أوسع للتعاون بين البلدين في المستقبل