من المصغرات إلى الشعوذة.. الوجه الخفي للغش في الامتحانات الوطنية

مع انطلاق امتحانات الباكلوريا لهذا العام، تتجه أنظار عشرات آلاف الأسر الموريتانية إلى مراكز الامتحانات أملا في أن تتوج أشهر طويلة من التحصيل الدراسي بالنجاح والتفوق، غير أن هذه المحطة المفصلية لا تخلو من تحديات متجددة، أبرزها ظاهرة الغش التي ما تزال تلقي بظلالها على الامتحانات والمسابقات الوطنية، رغم الجهود المتواصلة التي تبذلها السلطات للحد منها.

وتثير هذه الظاهرة قلقا متزايدا لدى الفاعلين التربويين وأولياء الأمور، لما تسببه من مساس بمبدأ تكافؤ الفرص، وتأثيرها المباشر على مصداقية الشهادات الوطنية وقيمة النجاح المبني على الجهد والاستحقاق.

موسم الامتحانات.. بين الطموح والإغراء

على امتداد العام الدراسي، يكرس التلاميذ أوقاتهم للتحصيل والاستعداد للامتحانات، وسط دعم متواصل من أسرهم التي تراهن على نجاح أبنائها ومستقبلهم الأكاديمي. لكن هذه المرحلة تشهد في المقابل محاولات من بعض المترشحين للبحث عن طرق مختصرة لتحقيق النجاح بعيدا عن الاجتهاد والعمل الجاد.

ويرى مراقبون أن تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا أوجد أساليب جديدة للغش، في وقت تتسع فيه دائرة النقاش المجتمعي حول أسباب انتشار الظاهرة وسبل مواجهتها.

“المصغرات”.. تجارة موسمية مزدهرة

من أكثر وسائل الغش انتشارا ما يعرف بـ”المصغرات”، وهي نسخ مصغرة من الدروس والمقررات الدراسية يتم إعدادها وطباعتها بأحجام صغيرة تسهل إخفاءها داخل الملابس أو الأدوات الشخصية.

وخلال موسم الامتحانات تشهد محال النسخ والطباعة إقبالا متزايدا على هذه الكتيبات الصغيرة، حيث يتحول الطلب عليها إلى نشاط موسمي يدر أرباحا إضافية لبعض أصحاب المحال. ويؤكد بعض العاملين في هذا المجال أن الإقبال على المصغرات يرتفع بشكل ملحوظ مع اقتراب الامتحانات الوطنية.

وعن الأسعار التي يصفها بعض الزبائن بالمرتفعة مقارنة بتكاليف إنتاجها، يبرر أحمد ـ صاحب وراقة ـ ذلك بالإقبال الكبير عليها، قائلا: “الراغبون في اقتنائها مستعدون لدفع ما يطلب منهم مقابل الحصول عليها، وهم يقبلون بذلك عن قناعة، لذلك لا أرى مشكلة في السعر”.

ويطرح انتشار هذه الوسيلة تساؤلات حول مسؤولية بعض الجهات التجارية في تسهيل الوصول إلى أدوات الغش، في وقت تسعى فيه السلطات إلى تعزيز نزاهة الامتحانات.

الهاتف المحمول.. أداة فقدت جزءا من فعاليتها

على الرغم من استمرار استخدام الهواتف المحمولة في بعض محاولات الغش، فإن فعاليتها تراجعت خلال السنوات الأخيرة نتيجة تشديد إجراءات الرقابة والتفتيش داخل مراكز الامتحانات.

وتقول فاطمة، وهي مترشحة لامتحان الباكلوريا، إن الهاتف لم يعد الوسيلة المفضلة لدى كثير من المترشحين كما كان في السابق، موضحة أن “الهاتف أصبح معروفا لدى الجميع ومستهدفا بشكل مباشر من طرف المراقبين، كما أن اكتشافه بات أسهل من ذي قبل، مما يجعل استخدامه محفوفاً بالمخاطر”.

وتشير آراء عدد من المترشحين إلى أن الهاتف أصبح من أكثر الوسائل استهدافا من قبل لجان المراقبة، ما جعل اكتشافه أكثر سهولة مقارنة بالماضي، ودفع بعض الراغبين في الغش إلى البحث عن وسائل أخرى أقل إثارة للانتباه.

الشعوذة والسحر.. أوهام البحث عن التفوق

لا تقتصر وسائل الغش على الأدوات المادية والتقنية، بل تمتد أحيانا إلى معتقدات مرتبطة بالشعوذة والسحر. فمع تصاعد الضغوط النفسية التي ترافق الامتحانات، يلجأ بعض أولياء الأمور إلى مشعوذين أملا في مساعدة أبنائهم على النجاح أو تفادي اكتشاف محاولات الغش.

وتقول إحدى الأمهات، في حديثها لـ”صوتك”: إنها اشترت تميمة من أحد المشعوذين قرب “اكلينيك”، معتقدة أنها ستمنع المراقبين ولجان التفتيش من اكتشاف ابنتها أثناء محاولتها الغش داخل قاعة الامتحان.

وأضافت الأم أن هذه الوسائل من وجهة نظرها، أكثر فاعلية من غيرها في تجاوز الإجراءات التي تتخذها وزارة التربية لمكافحة الغش، داعية أولياء الأمور إلى الاستعانة بها بدل الاعتماد على الوسائل التقليدية التي بات اكتشافها أكثر سهولة.

ويرى مختصون أن هذه الممارسات تعكس حالة من الخوف والقلق أكثر مما تمثل وسائل حقيقية لتحقيق النجاح، مؤكدين أن التفوق الدراسي يظل مرتبطا بالاجتهاد والتحصيل العلمي واحترام قواعد الامتحان.

الغش من منظور ديني وأخلاقي

يجمع المختصون في الشأن التربوي والديني على أن الغش يمثل سلوكا مرفوضا أخلاقيا ومحرما شرعا، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وإسناد الفرص إلى غير مستحقيها.

ويؤكد هؤلاء أن الغش لا يضر بالفرد وحده، بل ينعكس على المجتمع بأسره من خلال إضعاف قيمة الكفاءة وتراجع الثقة في الشهادات والمؤهلات العلمية، ما قد يؤدي مستقبلا إلى تولي مسؤوليات من قبل أشخاص لا يمتلكون المؤهلات المطلوبة.

الأسرة.. خط الدفاع الأول

يرى خبراء التربية أن الأسرة تؤدي دورا محوريا في الحد من ظاهرة الغش، من خلال غرس قيم الأمانة والنزاهة لدى الأبناء، وتشجيعهم على الاعتماد على جهودهم الذاتية في التحصيل الدراسي.

ويحذر المختصون من أن بعض الأسر قد تسهم بشكل غير مباشر في انتشار الظاهرة عندما تركز بشكل مفرط على النتائج والدرجات، متجاهلة أهمية التعلم وبناء القدرات المعرفية، الأمر الذي قد يدفع بعض التلاميذ إلى البحث عن وسائل غير مشروعة لتحقيق النجاح.

إجراءات رسمية وعقوبات رادعة

في مواجهة هذه الظاهرة، اعتمدت السلطات التربوية جملة من الإجراءات التنظيمية والرقابية، شملت تكثيف عمليات التفتيش داخل مراكز الامتحان، ومنع إدخال الهواتف والأجهزة الإلكترونية، وتشديد الرقابة على سير الامتحانات.

كما تنص الأنظمة المعمول بها على عقوبات قد تصل إلى إقصاء المترشح من الامتحان أو إلغاء نتائجه، إضافة إلى عقوبات تأديبية أخرى في الحالات الجسيمة أو المتكررة.

خبراء: الحل لا يقتصر على العقوبات

ويؤكد خبراء التربية أن مواجهة الغش تتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين الردع القانوني والعمل التربوي والتوعوي، مع إشراك الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني في ترسيخ ثقافة النزاهة والاستحقاق.

كما يدعون إلى معالجة الضغوط النفسية المرتبطة بالامتحانات، وتعزيز ثقة التلاميذ بقدراتهم، بما يحد من الدوافع التي تدفع بعضهم إلى اللجوء إلى الغش.

بين الردع والتوعية

ورغم التطور المستمر في أساليب الغش، فإن الجهود المبذولة للحد منه تتواصل هي الأخرى عبر إجراءات رقابية أكثر صرامة وحملات توعوية تستهدف التلاميذ والأسر. ويبقى التحدي الأكبر هو ترسيخ قناعة مجتمعية بأن النجاح الحقيقي لا يصنعه الغش ولا الحيل، بل يصنعه الاجتهاد والمعرفة والاستحقاق.

وفي النهاية، تظل نزاهة الامتحانات مسؤولية جماعية تتقاسمها المدرسة والأسرة والمجتمع، باعتبارها الضمانة الأساسية لبناء منظومة تعليمية عادلة وقادرة على إعداد أجيال تعتمد على الكفاءة في خدمة الوطن وصناعة مستقبله.

شاهد أيضاً

موريتانيا تقدم تعازيها لدولة قطر في ضحايا حادث منطقة رأس لفان

قدمت موريتانيا، أمس الثلاثاء، تعازيها لدولة قطر إثر الحادث الذي وقع في منطقة رأس لفان الصناعية …