ليست المشكلة في الألفاظ حين تُنطق، بل في المعاني حين تُختزل. وحين يخرج ناشط إلى الإعلام ليعرّف العلمانية بأنها «فصل الدين عن الدولة»، فإنه – من حيث لا يشعر – ينقل مفهومًا وُلد في سياق تاريخي مخصوص إلى فضاء مختلف تمامًا، ثم يُلبسه ثوبًا لم يُفصّل له. إن العلمانية، في نشأتها الأوروبية، لم تكن ثورة على الإيمان، بل كانت تمرّدًا على احتكار مؤسسة كنسية للسلطة السياسية، أي على الثيوقراطية التي جعلت من الكنيسة وصيًّا على الدولة والمجتمع والضمير. لقد نشأت في ظل صراع مرير بين الملوك والبابوية، وبين العقل اللاهوتي المغلق والحاجة إلى نظام مدني يَحُدّ من تغوّل المقدّس المؤسسي على الشأن العام. يكفي أن نستحضر ما كتبه جون لوك في رسالته في التسامح حين ميّز بين وظيفة الكنيسة بوصفها عناية بالروح، ووظيفة الدولة بوصفها عناية بالمصالح المدنية، أو ما قرّره شارل مونتسكيو عن ضرورة تقييد السلطة أيًّا كان مصدرها، أو حتى ما لمح إليه جان جاك روسو حين تحدّث عن «الدين المدني» الذي يحفظ تماسك الجماعة دون أن يمنح رجال الدين حق التشريع السياسي. إن هؤلاء لم يكونوا بصدد إعلان حرب على الله، بل كانوا يؤسسون لحياد الدولة تجاه صراعات الكنيسة، ويحمون الإيمان نفسه من أن يتحوّل إلى أداة قهر.
ومن هنا يتضح أن تعريف العلمانية بأنها «فصل الدين عن الدولة» بإطلاق، تعريفٌ مبتور؛ لأن الذي فُصل في التجربة الأوروبية لم يكن «الدين» بما هو منظومة قيم وإيمان فردي وجماعي، بل «السلطة الكنسية» بما هي جهاز مؤسسي يحتكر الحقيقة ويُخضع الدولة لإرادته. وهذا فرق جوهري بين فصل المؤسّسة الدينية عن الحكم، وبين نفي المرجعية الدينية عن المجال العام كله. فإذا انتقلنا إلى السياق الإسلامي، وجدنا أن البنية مختلفة من الأصل؛ فلا كهنوت في الإسلام، ولا سلطة روحية تمنح صكوك الغفران، ولا طبقة تحتكر الوساطة بين الإنسان وربه. الفقيه عالمٌ يُصيب ويخطئ، والسلطان ليس ظلّ الله بمعنى التفويض اللاهوتي المطلق، بل هو مسؤول أمام الشرع والأمة. لقد ميّز أبو حامد الغزالي بين «الملك» و«العلم» ورأى أن كلًّا منهما محتاج إلى الآخر دون أن يذوب فيه، وأكد ابن تيمية أن السياسة الشرعية هي ما يحقق مقاصد الشريعة ولو لم يرد به نص جزئي، بما يدل على مرونة المجال السياسي داخل إطار مرجعي قيمي ديني. وفي العصر الحديث نبّه مالك بن نبي إلى خطورة استيراد المفاهيم دون وعي بسياقاتها، لأن الفكرة حين تُقتلع من تربتها قد تتحول إلى أداة تشويش بدل أن تكون أداة تحرير.
فإذا قال إنسان متدين ديانة مستقيمة: «أنا علماني»، فإن السؤال الذي يسبقه منطقيًا هو: أي علمانية يقصد؟ إن كان يقصد رفض الحكم الكهنوتي واحتكار رجال الدين للسلطة، فذلك ليس غريبًا عن روح الإسلام الذي لم يعرف كهنوتًا أصلًا. أما إن كان يقصد تحييد الدين عن التشريع العام، ونفي حضوره القيمي من المجال السياسي والاجتماعي، فهنا يقع التناقض؛ لأن المتدين يؤمن أن الوحي هدايةٌ شاملة، وأن الشريعة ليست طقوسًا معزولة بل منظومة قيمية تضبط العدل والكرامة والحق. كيف يسلّم بأن مرجعيته الإيمانية شأنٌ خاص منزوع الأثر في الفضاء العام، ثم يبقى في الوقت نفسه مؤمنًا بكونها حقًّا هاديًا؟ إن الإيمان – في معناه العميق – ليس تجربة باطنية فحسب، بل رؤية للإنسان والعالم والغاية، ومن ثَمّ فهو بطبيعته ذو أثر اجتماعي وتشريعي.
إن الخلط بين «تحييد الدولة عن صراع الطوائف» و«تحييد الدين عن الحياة» هو لبّ الإشكال. الأول إجراء سياسي تنظيمي لحفظ السلم الأهلي، والثاني موقف فلسفي من المرجعية والمعنى. والناشط الذي يختزل العلمانية في عبارة «فصل الدين عن الدولة» يختصر تاريخًا معقدًا في شعار إعلامي، ويغفل أن المفاهيم حين تُبسّط إلى حدّ الإفراط تفقد دقتها. إن المعركة ليست بين مؤمن وملحد، ولا بين تقديس وقطيعة، بل بين فهمٍ سياقي دقيق وفهمٍ شعاري سطحي. فالمطلوب من المثقف الصادق ألا يردّد المصطلحات كما ورثها من الخطاب الإعلامي، بل أن يُعيدها إلى جذورها، ويمتحنها في ضوء بيئته الحضارية. وعندئذ يتبيّن أن القول بالعلمانية – إن أُريد به إقصاء الدين عن المجال العام – لا يستقيم مع ديانة ترى في الوحي مصدر هداية شامل، وأن الأجدر هو البحث عن صيغة تحقق العدل والحرية دون أن تنفي المرجعية القيمية التي يقوم عليها إيمان الإنسان. فالمسألة، في جوهرها، ليست صراعًا بين الدين والدولة، بل سؤالًا عن موقع المعنى في السياسة، وعن حدود السلطة حين تتعامل مع المقدّس؛ وهذا سؤال لا يُجاب عنه بالشعارات، بل بالفكر العميق والمسؤول.
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل