حين تُباع المرأة في سوق الرواية: بين جسدٍ مُستهلَك وذاتٍ تُنتج المعنى

إذا كانت الرواية العربية مرآةً كاشفة لتحوّلات المجتمع العميقة، فإن صورة المرأة داخلها ليست تفصيلًا هامشيًا ولا زينةً عابرة، بل هي امتحانٌ أخلاقي وجمالي ومعرفي في آنٍ واحد. فكيف يرى الروائي العربي المرأة؟ وكيف يوظّفها ضمن شخوصه؟ وهل يمنحها الحقّ في أن تكون “ذاتًا” كاملةً تصنع مسار الحكاية وتعيد تشكيل المعنى، أم يختزلها ـ في بعض النماذج ـ إلى جسدٍ يُستدعى عند الحاجة إلى الإثارة، ويُرمى حين يفرغ النص من ضجيجه؟ إنّ السؤال هنا ليس سؤال حضورٍ كمّيّ للمرأة، بل سؤال كيفيّ يطال معنى حضورها ووظيفته العميقة داخل البناء الروائي.
لقد شهدت الرواية العربية في علاقتها بالمرأة تذبذبًا بين رؤيتين متعارضتين: رؤية تُقيم المرأة في قلب النصّ بوصفها مركزًا للدلالة ونافذةً لفهم المجتمع، ورؤية أخرى تنزلق بها إلى هوامش الاستهلاك الإيروتيكي، فتجعلها مادةً للعرض لا شخصيةً للمعرفة. في هذه الرؤية الثانية، لا تُقرأ المرأة بوصفها إنسانًا له تاريخ نفسي وسؤال وجودي وتحولات داخلية، بل تُقرأ بوصفها “مشهدًا” قابلاً للتسويق: تتكثف أوصاف الجسد حين تضعف الحبكة، وتعلو الجرأة حين يخفت المعنى، وتصبح الرغبة بديلاً فقيرًا عن الصراع الدرامي الحقيقي. هناك روايات تتعامل مع المرأة كأنها إعلانٌ داخل النص؛ كلما خسر السرد عمقه استعاض بالعري اللغوي عن البناء، وبالضجيج عن الفن، وبالفتنة عن الفكرة. والأدهى من ذلك أنّ هذا الاستهلاك يُغلّف أحيانًا بمصطلحات براقة من قبيل “التحرر” و”الحداثة”، كأنّ تحويل المرأة إلى جسدٍ مستباح هو قمة الشجاعة، بينما هو في الحقيقة إعادة إنتاج فجة لنظرةٍ ذكورية لا تختلف كثيرًا عن أشكال القمع القديمة، إلا من حيث إنها صارت أكثر تأنقًا في خطابها وأشدّ ابتذالًا في نتائجها.
غير أنّ الإنصاف النقدي يقتضي القول إنّ حضور الجسد في الرواية ليس خطيئةً في ذاته، لأنّ الجسد قد يكون ـ في نصوص ناضجة ـ فضاءً للمأساة الاجتماعية، وموقعًا للعنف الرمزي، ومختبرًا لصراع الرغبة والخوف، وحقلًا تُرى من خلاله حدود السلطة الأبوية وأقنعتها. الفارق الحاسم ليس في “وجود الجسد”، بل في “منطق تمثيله”: هل يُستدعى الجسد باعتباره لغةً للاحتجاج والمعرفة وكشف القهر، أم يُستدعى باعتباره طريقًا مختصرًا إلى الإثارة الرخيصة؟ وهل تُمنح المرأة ذاتًا وصوتًا وتاريخًا داخليًا، أم تُختزل إلى مناطق ووظائف لا تتجاوز حدود الاستهلاك؟
في تجارب روائية عربية راسخة، تبدو المرأة غير قابلة لهذا الاختزال. عند نجيب محفوظ، مثلًا، لا تحضر المرأة بوصفها ديكورًا ولا كتلةً للمتعة، بل تتخذ شكلًا اجتماعيًا كثيف الدلالة، تتعدد فيه صور الأنثى بتعدد طبقات المدينة وتناقضاتها: امرأة يصنعها الفقر، وأخرى يخلقها القهر، وثالثة تنتجها الأخلاق المزدوجة لمجتمعٍ يلعن المرأة في العلن ثم ينهشها في السر. المرأة هنا ليست “عائقًا” في طريق الرجل ولا “استراحة” في وسط الحكاية، بل هي جهاز كشفٍ أخلاقي يفضح المجتمع عبر مرآته الأكثر حساسية، ويجعل الرواية أكثر جرأةً في نقد بنيات التسلط من أي استعراض جسدي عابر.
وعند الطيب صالح، يتجاوز حضور المرأة حدود العاطفة ليصبح عقدةً رمزية في صدام الهوية مع المركز الاستعماري، وفي كشف هشاشة الذكورة حين تواجه عالمًا أكبر من أوهامها. المرأة ليست مجرد موضوع رغبة، بل مجالٌ تتكسّر عنده غرائز السلطة والهيمنة والافتتان، ويبرز عبره سؤال الذات الممزقة بين انتماءين وثقافتين. إنها ليست جسدًا يُقرأ، بل معنىً يتصارع حوله الرجل، وغالبًا ما ينكشف الرجل من خلال المرأة أكثر مما تنكشف المرأة من خلاله.
أما عبد الرحمن منيف، فيعيد المرأة إلى قلب المأساة التاريخية لا بوصفها ضحية فردٍ عابر، بل ضحية بنية كاملة: بنية السلطة والمال والتحالفات الصامتة التي تطحن الإنسان باسم النظام والمصلحة والتقاليد. المرأة عند منيف ليست مادةً للفضيحة، لأنّ الفضيحة الكبرى ليست في غرف النوم، بل في غرف الحكم؛ ليست في الشهوة، بل في المصادرة؛ ليست في الجسد، بل في تحويل البشر إلى أدوات داخل ماكينةٍ سياسية واقتصادية لا ترحم. ومن هنا تتجاوز المرأة دورها السردي لتصبح علامةً على حجم الخراب الذي تتركه الدولة حين تلتهم المجتمع من الداخل.
ويقدّم حنّا مينه بدوره صورةً مغايرة للمرأة، حيث تغدو الأنثى في رواياته غالبًا كائنًا يصارع الحياة لا زينةً على هامشها؛ امرأةٌ تُختبر في الجوع والحرب ووعورة اليوميّ، تُدافع عن كرامتها في مواجهة الفقر والبحر والميناء والخذلان. وإذا اقتربت بعض نصوصه من حواف الجرأة، فإنها لا تفعل ذلك لكي تبيع الإثارة، بل لكي تُظهر كيف يلتهم البؤس الأخلاق ويحيل الإنسان إلى سلعة، وكيف يتحول المجتمع تحت ضغط الحاجة إلى نظامٍ من العنف الصامت. هنا لا تكون المرأة بابًا للتسويق، بل شاهدًا على هشاشة الإنسان حين يُقذف خارج معانيه.
وفي بعض التجارب النسائية العربية، يتعزز هذا التحول من المرأة “موضوعًا” إلى المرأة “صوتًا”، حيث لا تعود الأنثى مجرد شخصية تُروى من الخارج، بل وعيًا يكتب من الداخل، ويعيد تشكيل الحكاية بلغته الخاصة. حتى حين تتعدد الأساليب وتتباين القيم الفنية من تجربة إلى أخرى، يبقى جوهر التحول مهمًا: المرأة لم تعد ظلًا للرجل، بل ذاتًا تملك حقّ السرد، وحقّ التأويل، وحقّ بناء صورتها بعيدًا عن وصاية النظرة الذكورية.
ومن هنا يتبدّى أنّ الاستهلاك الإيروتيكي داخل بعض المتون الروائية ليس علامة تحرر كما يُسوَّق، بل هو ـ في كثير من الأحيان ـ قناعٌ لعجزٍ جمالي وفقرٍ بنائي. فالرواية التي تفشل في خلق الصراع الحقيقي تلجأ إلى تعويضٍ سهل: جسدٌ مُكثّف الوصف، رغبةٌ مُفرطة، فضيحةٌ قابلة للتداول. وهذه ليست جرأة فنية، بل استعارة رخيصة للدهشة. إذ ليست الجرأة أن تكتب الجسد، بل أن تكتب الإنسان داخل شروطه القاسية، أن تفضح القهر دون استغلال ضحيته، وأن تجعل المرأة شريكًا في إنتاج المعنى لا سلعةً تُستثمر ثم تُرمى.
إنّ السؤال النقدي الجادّ لا يتوقف عند: هل حضرت المرأة في الرواية؟ بل يتجاوز إلى: كيف حضرت؟ هل امتلكت الفعل داخل الحبكة أم بقيت أداةً لتحريك الرجل؟ هل امتلكت عمقًا نفسيًا وتحوّلًا دراميًا أم ظلت صورةً ثابتة؟ هل كان وجودها عضويًا داخل الثيمة أم إضافيًا لتزيين النص؟ هل منحتها الرواية لغةً ووعيًا أم اختزلتها في جسدٍ يُرى ولا يتكلم؟ بتلك الأسئلة وحدها يمكننا أن نفضح المجاني وننصف الوظيفي، وأن نميّز بين رواية تجعل المرأة “ضرورة جمالية” ورواية تجعلها “ملصقًا دعائيًا” داخل كتاب.
الخاتمة:
إنّ المرأة في الرواية العربية ليست تفصيلًا يمكن المرور عليه بخفة، لأنها النقطة الأكثر حساسية لكشف صدق السرد ومقدار وعيه. الرواية التي تحوّل المرأة إلى سلعة إيروتيكية لا تُحررها بل تستعبدها في صيغة أكثر تزيينًا؛ تخلع عنها القيد القديم لتلبسها قيدًا جديدًا اسمه السوق. أما الرواية التي تمنح المرأة حقها في التعقيد والتناقض والصوت والتحول، فإنها لا تكتب المرأة فحسب، بل تكتب المجتمع وهو ينهار أو ينهض، وتكتب الإنسان وهو يبحث عن كرامته وسط أنقاض السلطة واللغة والعرف. لذلك لا تكون المرأة في الرواية الجيدة زينةً ولا فاصلًا للمتعة، بل معيارًا لشرف الفنّ نفسه: فإما أن تكون الرواية مشروعًا لصناعة المعنى، وإما أن تكون ـ مهما ادّعت الجرأة ـ سوقًا لبيع الجسد باسم الحداثة..
حسن زارو

شاهد أيضاً

حدث فلكي مهم

في التاسع والعشرين من مايو عام 1919، شهد العالم حدثًا فلكيًا أصبح من أهم اللحظات …