استيقظت هذا الصباح على صوت في داخلي يقول:
“لقد حان الوقت لتكتب مقالًا يهزّ أركان الوعي!”
لكنني نسيتُ أن أركان الوعي مشغولة هذه الأيام بتحديث حالة الواتساب.
فتحت هاتفي، كتبت جملة من نوع “لقد خسرنا المعنى في زمن التفاهة.” ثم أغلقت التطبيق منتشيًا، وكأنني أنقذت البشرية.تلك هي مهمتي كمثقف مزيف… أن أقول كلامًا غامضًا، لا يفهمه أحد، ثم أتهم الناس بالسطحية.
ذهبتُ إلى المقهى. جلستُ في الزاوية، كما يفعل كبار المفكرين في الأفلام. طلبت قهوة سوداء بدون سكر، لأن السكر كما تعلم للضعفاء.
فتحت دفتري الذي لا أكتب فيه شيئًا أبدًا، وبدأت أحدّق في الفراغ… أحيانًا المثقف لا يحتاج أن يكتب، يكفي أن يبدو وكأنه على وشك كتابة شيء عظيم.
مرّ أحد الأصدقاء وقال لي: “ما رأيك في آخر إصدار عن فلسفة الجسد عند ميرلو بونتي؟” ابتسمتُ بسخرية العارف وقلت:”الجسد؟ إننا لا نملكه، نحن نسكنه!”
لا أعرف ماذا يعني ذلك، لكنه انبهر جدًا… وكتبها على الفيسبوك ونسبها إلي.
في المساء، دعوني لندوة بعنوان: “الهوية والمثقف في زمن الما بعد”… لم أفهم العنوان، لكني وافقت فورًا.
صعدتُ إلى المنصة، نظرتُ في وجوه الحضور، ثم بدأت كلمتي بجملة قاتلة “في البدء كانت اللغة، لكن من يتحدثها اليوم؟”
صفّقوا بحرارة.
الحمد لله أنهم لا يعرفون أنني قرأتها بالأمس على غلاف رواية.
زكياء نمر