لطالما ارتاحت الحواسّ إلى وهمٍ مريح: أن ما لا نراه لا وجود له، وأن ما لا نلمسه وهمٌ صنعه الخيال. غير أن الفيزياء في القرن العشرين، إذ نزلت إلى أعماق المادة، كشفت أن هذا الاطمئنان الحسّي كان سذاجةً لا يقينًا. فالعالم الذي نعيشه — بصلابته ووضوحه — ليس إلا قشرةً رقيقةً فوق محيطٍ من الاحتمال والغموض. وهنا، عند هذا الحدّ الذي تنتهي عنده الفيزياء ويبدأ عنده الذهول، يجد التأمل الفلسفي والديني أرضًا خصبةً للحوار. فالسؤال الذي ينهض في القلب قبل العقل هو: هل حقًّا «ما لا نراه معدوم»؟ أم أن الحسّ ليس مقياس الوجود؟
أولًا: الكمّ… حين ترفض المادة أن تكون «شيئًا»:
في ميكانيكا الكمّ، لا يمتلك الجسيم موقعًا محددًا وسرعةً محددة في آنٍ واحد؛ إنه «دالة موجية» — احتمالٌ منتشر، لا شيءٌ قاطع. ولا يتحوّل هذا الاحتمال إلى واقع إلا لحظة «القياس». وقبل ذلك، هو في «تراكب» بين حالات عدة. هذا لا يعني أن الجسيم «مختبئ» عنّا، بل أن كونه ذاته غير مكتمل التعيّن حتى يظهر. فالمادة، إذن، ليست صلبةً كما تخيّل ديمقريطس، بل هي بالأحرى وعدٌ بالوجود أكثر منها وجودًا. وهذا وحده كفيل بأن يهزّ ثقة الإنسان في مقولة «لا أرى، إذًا لا يوجد».
ثانيًا: التشابك… حين يتصل الوجود بلا حبال مرئية:
من أعجب ما كشفته الفيزياء ظاهرة «التشابك الكمّي»: جسيمان يتفاعلان في لحظة ما يظلّان مرتبطين، بحيث يؤثر قياس أحدهما في الآخر فورًا، ولو فصلتهما مجرات. لا إشارة تمرّ بينهما، ولا حبل يربطهما؛ إنها علاقة غير مرئية تسري في نسيج الواقع نفسه. أليست هذه صورةً مدهشةً لما نؤمن به من روابط غيبية؟ من صلة الرحم التي تصل القلوب، والدعاء الذي ينفذ حيث لا تنفذ الأيدي، والقدر الذي يشدّ الأحداث بعضها إلى بعض بخيوط لا تراها العين. العلم هنا لا «يثبت» الغيب، لكنه يهدم ادّعاءً واحدًا خطيرًا: أن العلاقة لا بد أن تكون مرئية لتكون حقيقية.
ثالثًا: الفراغ… ليس خواءً:
كان يُظنّ أن الفراغ عدم، فإذا به — في نظرية المجال الكمّي — بحرٌ يغلي بالجسيمات الافتراضية، تظهر وتتلاشى في ومضات لا تُحصى. الفراغ الكمّي ليس «لا شيء»، بل هو حضورٌ كامن، وطاقةٌ صامتة تحمل إمكان كل شيء. وهذا يشبه ما يقوله الإيمان عن عالم الغيب: ليس غيابًا، بل حضورٌ يتوارى عن الحسّ لشدّة قربه، أو لضعف أدواتنا لا لضعف الوجود. «الغيب» ليس اللاوجود، بل هو ما لا تبلغه أجهزة الإدراك الحسّي، لا ما لا يبلغه الوجود.
رابعًا: دور المراقب… هل الوعي يعيد تشكيل الواقع؟
تثير مسألة «المراقب» في الكمّ جدلًا فلسفيًا عميقًا: هل يتحوّل الاحتمال إلى واقع بسبب وعيٍ ينظر؟ لا تتفق المدارس الفيزيائية على ذلك، وكثير من الفيزيائيين يرفضون إقحام الوعي. لكن السؤال يبقى مفتوحًا، وهو سؤال فلسفي بقدر ما هو علمي: هل هناك واقع مستقل تمامًا عن كل إدراك؟ هنا يتقاطع العلم مع سؤال قديم: ما علاقة الوعي بالوجود؟ وهل الإنسان مجرد متفرّج على كونٍ صُنع قبله، أم أنه — بكينونته الإدراكية — جزءٌ من نسيج الواقع؟ يكفي أن نلاحظ أن الحدّ بين «الذات» و«الموضوع» ليس ذلك الحدّ الحاد الذي تصوّرناه.
خامسًا: جدلية حاج حمد(محمد ابوالقاسم) — الغيب ليس «خارج» الكون بل «داخل» في معادلته:
إذا كانت فيزياء الكمّ قد هزّت يقين الحسّ، فإن الفكر الإسلامي — من خلال مشروع المفكر السوداني الباذخ محمد أبو القاسم حاج حمد — قد طرح سؤالًا موازيًا وأعمق: ماذا لو كان «الغيب» ليس غيابًا، بل هو بُعدٌ بنيويّ في نسيج الوجود نفسه، لا مجرد معلومة مؤجّلة؟ يَنطلق حاج حمد من إشكال وجودي حاد: كيف نفهم الرحمة الإلهية في عالم تمزقه النكبات؟ ومن هذا السؤال المحرج، بلور منهجًا معرفيًا يقوم على «التفاعل بين جدليات ثلاث: الغيب والإنسان والطبيعة في إطار كوني واحد» . الغيب هنا ليس خانةً منفصلة يلجأ إليها المؤمن عند نفاد العلم، بل هو ضلع أساسي في معادلة الوجود، تفاعله مع الإنسان والطبيعة هو ما يمنح الكون معناه.
والأداة المنهجية التي يقترحها هي «الجمع بين القراءتين»: قراءة أولى «باسم ربك الذي خلق» — قراءة كونية تستمد من الوحي الغيبي، وقراءة ثانية «وربك الأكرم الذي علم بالقلم» — قراءة موضوعية علمية في كتاب الكون المفتوح . لكنه يشدد على أن العلاقة بينهما ليست تقابلًا، بل هيمنة: القراءة بالقرآن تهيمن على قراءة الكون، لأن الأولى تمتد إلى ما قبل الميلاد وما بعد الموت، بينما الثانية محصورة في شروط المكان والزمان .
سادسًا: «يؤمنون بالغيب» — لماذا جاءت أولًا؟:
في افتتاح سورة البقرة، يُوصف المتقون أولًا بأنهم «الذين يؤمنون بالغيب»، قبل إقامة الصلاة والإنفاق. وهذا الترتيب ليس اعتباطًا. يوضح المفسرون أن الغيب هنا هو ما خرج عن متناول الحواس وإدراك العقل المباشر، مما أخبر به الرسول ﷺ عن الله والملائكة والبعث والآخرة . والسبب في تقديم الإيمان بالغيب على غيره من الصفات أنه «الأصل في اعتقاد ما تخبر به الرسل»؛ فمن أنكر وجود عالم وراء الماديات، فقد وطّن نفسه على الإعراض عن الدعوة كلها . بل ذهب بعض العلماء إلى أبعد من ذلك: إن «الإيمان بالغيب هو الحقيقة العظمى» التي جعلها الله أول وصف للمؤمنين، وما بعده من صفات إنما هو تفصيل له .
سابعًا: التقاطع — من «الاحتمال» إلى «الغيب»:
هنا يتكشف التقاطع العميق. فيزياء الكمّ تقول إن الجسيم قبل القياس ليس له موقع محدد؛ إنه احتمال، و«تراكب». وحاج حمد يقول إن الغيب ليس غيابًا، بل حضور كامن في بنية الكون، تفاعله مع الإنسان والطبيعة هو ما يشكّل الواقع. وكما أن الاحتمال الكمّي لا يُلغي الواقع بل يسبقه ويؤسّس له، فإن الغيب في المنظور القرآني لا يُلغي عالم الشهادة بل يحيط به ويُعطيه معناه. الفرق أن الفيزياء تصف كيف يتحول الاحتمال إلى واقع، بينما الإيمان يجيب عن لماذا يوجد غيب أصلًا: لأنه الاختبار. «الذين يؤمنون بالغيب» — أي يؤمنون قبل أن يروا، ويصدّقون قبل أن تُكشف لهم الحقيقة. وهذا هو ما يجعل الإيمان بالغيب أول صفة: لأنه الفاصل بين من يتعامل مع الوجود ككتلة مادية مغلقة، ومن يتعامل معه كنسيج مفتوح على ما وراء الحسّ.
ثامنًا: حدود العلم… وتواضع الإيمان:
المفارقة الكبرى أن أشدّ الناس يقينًا بالمادية يستخدمون أدواتٍ تقول لهم صراحةً: هناك ما لا يمكن معرفته اليوم، وربما أبدًا. ففيزياء الكمّ لا تنقض الغيب، بل تعلّمنا التواضع: أن الكون أوسع من أن تُحاصره الحواسّ، وأن «المعرفة الكاملة» وهمٌ بشري. والإيمان الحقيقي لا يخاف العلم، لأنه لا يسكن في ثغراته، بل يسكن في أفقٍ آخر: أفق المعنى. العلم يجيب عن «كيف»، والإيمان عن «لماذا». وليس صحيحًا أن أحدهما يلغي الآخر؛ الصحيح أن كلًّا منهما يعرف حدّه.
خاتمة: الدهشة المشتركة:
لعلّ أعظم درسٍ فلسفي من فيزياء الكمّ هو هذا: الحسّ ليس مقياس الوجود. فالمادة نفسها — أصلب ما نعرف — تنكشف احتمالًا وعلاقةً وغموضًا. فكيف نجزم أن ما وراء المادة عدم؟ إن الكون يتكلم بلغةٍ من الاحتمال والتشابك والفراغ الممتلئ، وكأنه يهمس في أذن العقل: «لا تحكم بالغياب على ما لم تره؛ فربما لم تُهيَّأ عينك بعد». وقد لا تلتقي الفيزياء والإيمان على المنهج، لكنهما يلتقيان على الدهشة أمام اتساع الوجود. فيزياء الكمّ تعلّم الفيزيائي أن يتواضع أمام ما لا يُحاصر. وسورة البقرة تعلّم المؤمن أن يبدأ من حيث انتهى الحسّ: «يؤمنون بالغيب». وحاج حمد، بينهما، يهمس: لا تبحث عن الغيب خارج الكون؛ إنه في جدليته مع الإنسان والطبيعة، ينتظر عينًا لم تُهيَّأ بعد لرؤية ما هو دائمًا هناك. بين العلم والإيمان مسافةٌ ليست عداءً، بل هي حوار بين عقلٍ يبحث وقلبٍ يطمئن، كلاهما يواجه الغيب لا بالإنكار، بل بالسؤال والتواضع والدهشة.
الهضاب إنفو موقع إخباري مستقل